سرد

عندما كنتُ صغيراً لم أنعم بِمتعة اللعب و لم أقدر على الخروج من البيت يوماً لشراء اية حلوى من دكان محلتنا ، أو رؤية نفسي في المرآة ، أو تمييز الألوان ، أو مشاركة أقراني من الأطفال في نزهة مدرسية . ذلك لأنني كنتُ قد أصبتُ مبكّراً و منذ صغري بالعمى جراء مرض معد . تربّيتُ كصغار الكنغر في حضن والدتي...
(1) كنت واحدا من جنود سرية شكلت من جميع وحدات الفرقة 11 بمساهمة من طبيب الوحدة العسكرية حين صدرت الأوامر بإخلاء قتلانا الذين تركوا في عراء التلال المحيطة ببحيرة الأسماك. كان الوقت فجرا وقد انتزعت نفسي من ذراعي امرأة الحلم وغادرت فندق المدينة التي أفرغت من سكانها نظرا للقصف المدفعي المتبادل،...
وقف الرجال العشرة... أيديهم مرفوعة إلى أعلى. على مقربة منهم وقف رجل.. شاهرا مسدسا.. اختفت يداه بقفازين سوداوين.. معلقا خنجرا على وسطه.. منتعلا جزمة حتى الركبتين.. رفع القناع عن وجهه ثم هدد بصوت قوي ساخط: ليتجمد كل بمكانه.. أيديكم إلى الأعلى.. عيونكم باتجاه المسدس.. من تحرك لقي مصرعه حالا. تقيد...
نماذج من فن القصة القصيرة لكبار القصاصين الرواد كم كان نجيب أفندي وفياً لزوجه براً بأسرته؛ إنه لم يكن يسمح لنفسه أن يقضي خارج البيت قليلاً من الوقت لغير عمل؛ فأيان تلتمسه لا تجده إلا في الديوان أو في البيت، وفي فترات قليلة كان يجلس إلى أصحابه في النادي يستمع إليهم ويستمعون إليه، ولكنه كان...
كان اليوم يوم جمعة، والشتاء يرسل نذره لطيفة جيناً، عنيفة أحياناً، ولا عاصم من تلك النذر إلا الشمس ضحى لها حيث نتوقعها. . . وبالجيزة قهوة توثقت الصلة بينها وبين الشمس: فهي دفء ونعيم ومنظر، لجأت إليها وحدي مترقباً صديقاً على موعد. . . جلست أنتظر فإذا رجل منتفخ الأوداج، غليظ الشفتين، حليق اللحية...
في ذلك المساء من شهر مارس أزيَّن قصر الوجيه حامد بك عرفان بحلة لألاءة من الأنوار المتموجة ذات الألوان، مدت أسلاكها الكهربائية على سور الحديقة فتعانقت مع الياسمين والبنفسج. وتعلقت بأفرع الأشجار والنخيل، وتوجت بها شجيرات الورود المنتثرة على هيئة أهلة ونجوم. وكان أعجب ما في القصر هو ذاك البهو...
رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همس مضطرب في الصالة. لم تكن “جلسات” كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجِّسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس...
عندما نظرت إلى أخي وقلت له إن وجهه ازداد نحافة منذ المرة الأخيرة التي رأيته فيها، قال دون أن يبتسم : - مجرد تصوّر .. الحكاية كلها هي أنك قد غيّرت الزاوية التي كنت تنظر منها .. ابتسمت له وقلت لنفسي: إنّه ازداد حدّة في كلماته وفي حركاته، وإنّ حركاته أصبحت جدّ متوازية. تذكّرت سؤالا قديما نعيده...
منذ ان عزمت نشر روايتي و الغربان المعدنية تلاحقني حتى في احلامي هل تخشى الحقيقية ؟ام انها تريد اظهارها ؟ صارت علاقتي بصديقي الظل البريء مشوشة٬ لأني لا اخرج من المنزل إلا نادرا بسبب تركيزي على إتمام الرواية٬ وحين خرجت و جدته غاضبا مني ...فشرحت له الموقف٬ ثم وجهني للبحث عن موضوع جديد يمس...
كان لإيقاع الليل في المبيت الجامعي رقّادة بالقيروان وقع خاص.ففي موسيقى الظّلام نشاز عجيب.إنّها خليط رهيب من أصوات البنات ووقع الأقدام و حفيف الأشجار و صفع الأبواب وحشرجات مذياع من هنا أو من هناك و أغان قديمة و جديدة و صرخة مفاجئة و قهقهة عالية .يطول الليل أو يقصر و ذاك اللّحن لا ينقطع . يخفت...
عندما قفزمن على ظهر أمه، وطأت أقدامه الصغيرة الأرض، ترنح واقفا ثم تقدم خطوة فوقع،ثم وقف فتقدم خطوة ثم وقع. تلفت حوله.. فوجد حافة الدكة التى تضع أمه عليها ملابس الغسيل مد يديه الصغيرتين، وأمسك بالحافة الخشنة ،حمَلها ثقله الخفيف ونهض واقفا . وصار يمشى ممسكا بها وهى لم ترحمه ،فطبعت على راحة يديه...
لم أتخيّل يوما أنّني سأعود إلى الحياة بعد أن تخلّصت من وهمها وزيفها عن إدراك واقتناع.... ولم أتوقّع أبدا أن انتحاري سيحدث صخبا كبيرا ولغطا كثيرا، بل كنت أعتقد أنّه سيخلّص عائلتي من مشاكل عديدة وسيجنّب وطني أزمات وفيرة ... فأنا لن أطالب بعد أن رحلت عن هذه الدّنيا بالعمل الّذي طالما وعودوني به ولم...
ضربت مطارق صقيلة على جُنُوب الجلد المشدود. تقلّعت الأقدام من مَغاوِصِ الثّلوج وتيمّمت موضع الطّبول. غاضت السّماء ثلجها بعد هطول أيّام عصيبة ورَقَت مدارج الصّفاء اللاّفح تُفْسِح للشّمس في نزهة مشتهاة، وتشهَد الجرّافاتِ وهي تقشّر الدّروب المغطّاة وتُهَوِّئ الحياة الجاثمة تحت الأسْقُف المثلجة...
وما كَانتْ لترفُضَ الدَّعْوَة... دَعاها على كأسٍ في أحد الزّوايا المُطلّة على البحر، كانت الحانة هادئة على غير عادتها، دون رُوادٍ كثيرين، ما عدا النّادل المتأهب للإنقضاض على "البقْشيش"، وامرأة تبدو غاضبة رغم هدوئها المُصطنع عبر تلك الابتسامات الصّفراء التي تُطلقها بين الحين و الآخر باتجاه...
تلفّتت في كلّ الاتجاهات بحثا عن تلك النقطة الزرقاء التي تحدّث عنها كارل(*) في كتابه. لم أجدها . كنت كغصن طاف في البحر الميّت . الفضاء مدهش ، أوغل فيه بسرعة فائقة . والسماء تجري فوقي وتحت مرقدي في تناظر ملتبس لنظراتي المرتعشة وكأنّني مغيّب الوعي … كنت مدفوعا دائما لمواكبة التغيّرات...
أعلى