على مشارف بوابة محطة سيارات الأجرة الكبيرة، بالجهة المعاكسة لأشعة شمس ذاك الصباح الربيعي، حيث كنت مقبلا على الذهاب لزيارة أحد الأقارب، التقيته و قد افترش ورقا كارتونيا، اقتربت منه، أشاح بيديه عن وجه الشاحب، تملل ذات اليسار و ذات اليمين، اعتلته ابتسامة محمومة و قال " آه أستاذ، توحشتك، هانا رجعت،...
أوصدت باب الحجرة جيدا بعد دخل ، تقدمت نحوه بضع خطوات في ثقة و رشد ، و عيناها في مستوى كتفيه ، شفتاها تتضلمان ، ووجنتان كامدتان ممتلئتان ، ملامح جرئية ، و صوت حاد و برود بريطاني عجيب ، هكذا بدت قبل أن تحدثه .
لم أعد أنفعك يا سعد !
تلاشت كل المعاني بداخله ، لم يصدق ما سمع ...ماذا قلت ؟!
لم اعد...
ندت عني صرخة أعدت إليها رشدها بضربة سبابة حين رأيت الصورتين اللتين بعث لي بهما صديقي وقد التقطهما لي على حين غفلة مني وأنا أشارك في ملتقى ثقافي بنصين سرديين.
يا رب!
أهذا أنا؟
لا يمكن، كيف أكون أنا وأنا أراني ببقع جرداء كملاعب منسية على رأسي المنشغل بهموم العالم. بقع تتحرك ببطء لكن بثبات لتلتقي...
دأب على الاعتقاد بأن هناك ثمة أشياء شاذة، وغير طبيعية، لا تتفق مع المنطق الصارم الذي يحسم كثيرًا من الأمور فى هذا العالم، أشياء لم يألفها من قبل، بات يستشعرها الآن دون أن يراها رؤية مؤكدة، لها قوة وسطوع الحقيقة، ارتعاشات جسده الكثيرة والمتلاحقة فى بعض النهارات والليالي، ارتعاش الأسِّرة والمقاعد،...
في الوقت المحدد ذهبت.. ركبت السيارة .. وبيدي صحيفتي المفضلة .. ألقيت نظرة سريعة فوق الوجوه الناعسة داخل السيارة .. والعيون التي لم تزل تقاوم النوم , ارتخيت فوق الكرسي .. السائق ينادي على نفر واحد
ــ فرد واحد .. فرد واحد .. نفر , نفر ,
الميدان يعج بالمشاة .. علي بعد مائة متر .. غرزة شاي صغيرة ...
سيتذكر عادل ذلك المساء العذب من شهر حزيران بعد سنوات طويلة وهو يتنقل من عالم إلى آخر، كالمتشرد الأعمى تحت الشمس المثقلة، يمضي أيامه دون ان يترك عنوانا على ارصفة الزمن. بينما كان يبحر في ضياء هذا العالم الجديد كسائح مجهول، تبدأ آثار الأقدام بالامحاء في الذاكرة. وفي زحمة الشوارع والسيارات المجنونة...
بذلت جهدا كافيا للتخلص من ألاعيبه الصبيانية الثقيلة , لكن دون جدوى, فقد أدركت أنه يقوم بسرقتي كلما حانت فرصة تصفية الحساب , يعرف أني أكتب عنه الآن وأرسم له ملامح هي إلى شخصيات شكسبير أقرب جدا , من حقيقة ما هو عليه .. ولما سألني : ويليس بارنستون كاتب سيرة بورخس, كان ذلك خلال إحدى زياراته إلى...
حكاياتها بطعم التوابل الحريّفة حملتها معها إلينا من أقصى الشرق.. هي “ راوية” اسم على مسمى..
أول ما يطالعك فيها لون جلدها القمحي.. وتلكم العينان الواسعتان بلون العسل المصفى وكأن النحلات سكبن فيهما ربق رحيقهن.. متناسقتان مع خديها المضرجين بحمرة قرنفلية ما كان يدفع بقية الزميلات في الفصل وأنا...
سار خلف الدّابّة مُكِبّ الوجه على أرض تتأرجح بين المرتفعات ، وشِقْف التّراب المُعنّى يُبْسا يتطاير رذاذا عنيفا يشجّ العرق المنسكب من جبينه. أمامه، وعلى مسافة ذيل غضوب، كان البغل يرفس الأرض الجافّة ويطوي الأثلام طيّا يوجع سنابكه، ومحراث بينهما دفن رأسه الفضّيّ يبحث في الجوف المتّقد عن أمل سقط من...
قالت له: جئتك لتكتب ما أشعر به..
شعرها الأسود ملفوف للخلف ككعكة كبيرة..
نفث دخان سجارته وعدل نظارته وهو يحدق في وجهها بقلق.
قالت بنفاد صبر: أنت -صحفي..أليس كذلك؟
رمش بجفنيه عدة مرات وكأنه يقول نعم..
قالت: طيب ..هذا يعني أنك تجيد الكتابة.. وأنا لا أجيدها...
قال: حسن.. بماذا تشعرين...
ثم رفع حاسبه...
وسأل ابنه: ثم ماذا بعد؟
طأطأ الولد رأسه
- ستظل مشرداً هكذا .. ستمر سنوات عمرك وأنت بلا هدف حقيقي .. فبجيتارك هذا وصديقتك المشردة مثلك لن تستطيعا توفير ثمن طعام افطاركما..
مزق ورقة وأضاف:
- رسوب.. والآن ماذا؟ أنت في الثامنة عشر ويمكنني تركك لتواصل طريقاً خاطئاً ..غالباً ما قد يفضي بك إلى...
ليست قصة أن تستيقظ فى الصباح، تنزل من فوق سريرك، تغمر السعادة روحك، لتتجه إلى الحمام، تقف تحت الماء الساخن لتغسل أحلام الليل وتعيد ترطيب شفتيك، تعد كوبا من الشاى، ثم ترتدى ملابسك التى اختارتها هى وجهزتها، وتترك قبلة صغيرة على وجهها البرئ البشوش -لا تكفى لطرد الأحلام الساكنة فى عينيها- قبل أن...
كانت المغنية تزأر بصوت واضح جلي النبرات، وكان كلامها أو غناؤها بسيطا بريئا قديما فيه شيء من التاريخ، أسماء الناس و الأشياء تكاد تكون مجهولة، ومع ذلك كان من في الباص يطرب لها ويهتز..نساء في أرذل العمر وأوسطه ومقتبله..وفتيات في طفولتهنَ وصباهنَ وشبابهنَ، ورجال وصبيان وشباب، ورقة وسمو في التعامل...
وعبرنا .. كنا جمعا كثيرا وطويلا.. وراء بعضنا... طابور بطيء..
الجبل شاهق... جدا.. السحاب عبر من بين أقدامنا..
أيها الوحوش... صاح قائدنا.... الجبل تآكل من أسفله خلال رحلتنا التي امتدت ثلاثة عشر عاما.... نجونا... ولكن لا سبيل لنا إلى الهبوط مرة أخرى...
قالت امرأة: لقد تدمرت الأرض تماما..
وبكت...
الى ضحايا هولوكست ما بعد الثورة.
تلعب الشمس بأعصابه كما لو أنها أفاع تتلوى داخل قبو من لحم ودم..
صحراء شاسعة تبطن في أحشائها
نفايات البشر على اختلاف أشكالها..
جحيم مهجور صنعه الانسان المتحضر ليدفن في مطاويه ما انعدم من أشيائه الأثيرة..
رائحة متعطنة جدا تثقب حواس الجن والانس خلعت عليها حرارة...