قصة قصيرة

وحيدًا هو.. لا يؤنس وحدته سوى تلك التماثيل التى يصنعها بمهارة وموهبة.. لم يتزوج بعدُ ولم يختر هو ذلك؛ لأنه لم يجد بعدُ تلك الأنثى التى تشبه تمامًا ذلك التمثال الذى صنعه بروحه فى ليالٍ طويلة مضت.. كلما قابل إحداهن يقفز إلى عقله دون إرادته المقارنة بين من تقف أمامه نبضًا ولحمًا ودمًا وبين ذلك...
طاولة منخفضة بين ثلاثتهم، جاءت جلستها في المنتصف بينهما، عاشقان؟ ربما. صديقان؟ لا تعرف. حين همت تلتقط “الفيوتشيني” بشوكتها انحنت برأسها قليلا فتهدّل شعرها الذهبي، مباشرة امتدت يده بخفة بالغة نحو خصلاتها المتساقطة خشية أن تلامس الطبق، أزاحها للخلف، ثم تباطأت أصابعه لبرهة لا تُذكر.. نظرت إليه...
مرارا وتكرارا تتبدل الوجوه أمام ناظري صاحب الكشك الذي يقع على ناصية شارع عمومي من شوارع بغداد المحاصرة بالموت من كل جانب. زبائنه عابرو سبيل ليس إلا، يدفعهم العطش أحيانا لشرب زجاجة بارد أو عصير معلّب ، ويحثهم الإحساس بالقهر لحرق لفائف تبغ يبتاعونها منه لينفثوا من خلالها دخان نفوسهم التي تغلي...
فى الصباح الباكر كعادته أستيقظ ، ولكن كان اليوم مختلف له على الأقل ، أتمم العقد السادس وأعتزل الحياة المهنية وأخيرا جلس فى بلكونة شقته ، لكل حائط حكاية ، لكل مقبض باب ذكرى ، الآن هو وحيد رغم وجود أبنته .هناك مكان فى أعماقه يعرف ويعترف بأنه لا يحكي ولا يتكلم مع أبنته كثيرا ، كان تارك كل شئ لأمها...
كان ينمو أمامي في الشارع، منذ عادت به أمه من القرية المجاورة التي تزوجت بها: "حتة لحمة حمرا". *طُلِّقت، بعد أن فقأت عين سلفها الأحمق، الذي قال لها في وجهها: "يا شرموطة فضحتينا"، ثم تنازل عن المحضر بسبب الخوف من شرها المتأصل في أعماقها، وجسارتها المخيفة. أخوها سعيد أبو دقة ترك لها غرفة على...
لصباها عنفوان، وعبير، تستنشقه وهي عارية، وتدور حول نفسها، تتحسس مفاتنها أمام جزء صغير من مرآة كان مستنداً على جدار حالك اللون. رأت فيها نفسها، في لمحةٍ خاطفة، عجوز، بحاجبين أبيضين، مثل شعر الرأس الخفيف، وبملامح كرمشها إنطباق الفكّين الخاليين من الأسنان، وثدييها، اللذين كانا بين كفيها في هذه...
آخر الليل، وبقعة زيت بجوار العربة. بقعة رغم دُكنتها قادرة على عكس الجسد المقلوب لكل قادم جديد. أرفع رأسي من مكاني بالكرسي الأمامي فأرى القوام المنعكس للبشيرالمنتظر. غالبا يأتي بالهاند باج ويدخل مهدودا مرتميا. ألتفت خلفي وأحسب الباقين. أربعة ربما أو خمسة، والسائق بوجه ناشف ينظر في الداخل ويقول...
"والله تنقصنا سهرة عائليّة على شاطئ بحر يافا. يقولون إنّه رائع. ما رأيك يا أخي؟" منْ الّذين يقولون؟ أهي أختك تسرُّ لكِ ببعض عهرها وتُدارين أنتِ عليها؟ " والله يا أختي يقولون إنّه شاطئ العشّاق ونحنُ كما أعرف تجاوزنا مرحلة العشق. أم لكِ رأي آخر؟" لم يكن يهمّه رأيها بقدر ما يهمّه أن يجد توتّرا في...
(1) كثيرًا ما كنت أراه على شاشة التلفاز، لا يمر يوم دون أن تطل صورته على الملايين من داخل هذا الجهاز السحري، الذي لا يعرف فضيلة الصمت؛ حتى ساد لدىَّ اعتقاد بأنه يقطن داخله، كنت ألمحه فى المباريات، يكون هناك دائمًا فى الثلث الأخير من المدرجات تجاه مرمى خصوم فريقه المفضل، حيث يحاصر لاعبوه هذه...
أجلس في صالة بيتي تغيرت ملامحها بعد أن نقلنا المكتب و"الكنبة" ، والمنضدة المغطاة بلوحة من الرخام الأسود الجميل إلى المطبخ، فأصبحت شبه خالية، بعد أن أسدلنا ستارة زرقاء كثيفة على نافذة الشرفة، وبعد أن تبدلت الأماكن التي كانت تُوضع فيها صور الأسرة على رفوف المكتبة الكبيرة الداكنة ذات الحشوات...
وأنا هنا وأنت هناك كش ملك.. وكنت قد خلقت من الوقت وقتا جديدا ثم أنني عصفت بالأزمنة والأمكنة التي ذهبت عساكرنا إليها ووجهت الريح كما شاءت حين اقتلعت جذور الأشجار وعصفت بالجبال. تذكرت الحكمة القديمة التي تقول أن الريح أقوي من كل شيء ولا يوقفها إلا الجبال بجبروتها.وأن النار تأكل كل ما حولها...
خرجنا فى الهزيع الأخير من الليل نزحف نحو المزرعة كالذئاب الجائعة ، ومع أننا كنا مسلحين بأحسن طراز من البنادق ، فقد كنا نتجنب الحراس ونراوغ كالثعالب ، لأننا نعرف قيمة الدم المهدور فى الصعيد ، ولهذا كنا نتخير الأوقات التى تقفل فيها العيون وتغفو . كان الظلام على أشده فى تلك الليلة ، وكانت وجهتنا...
ثمة ما يدعوه اليومَ إلى التأمل بحزن أكثر من أيّ يوم مضى. أدار محركَ سيارته، وعاد مسرعاً إلى داخل البيت، أحسّ رغبةً في احتساء كوبٍ آخر من الشاي قبل أن ينطلق إلى عمله. جلس باسترخاء وراء مقود السيارة، عبثت أصابعه للحظات في مفتاح المذياع، ولم يلبث أن تحوّل عن تلك الرغبة، وانطلق يجوب الشوارع، يحاول...
أعلى