قصة قصيرة

زماننا عاثر الحظ أو نحن به عاثرو الحظ. فأينما تول وجهك تسمع تنهد شكوى أو تر تجهم كدر. ولن تعدم قائلاً يقول إن هذا الزمان أضيق رزقاً وأنضب حياء وأفسد خلقاً وأقل سعادة وأنساً من الزمان الماضي، ويجوز أن نكون لزماننا ظالمين، وأننا نتحامل عليه لا لعيب اختص به دون غيره من الأزمنة، ولكن تبرماً بقساوة...
في حارة (قصر الشوق) من حيّ الجمالية بالقاهرة، وإلى الشمال الغربي من مسجد (أبي عبد الله الحسين) حيث لا تزال القاهرة التي بناها المعز لدين الله قائمة في هذه القباب والمآذن، وتلك الدُّروب والمسارب، وهذه الدُّور الرحيبة المتقادمة التي تفضي إليها من باب إلى باب إلى أبواب. . . . . . هناك، حيث...
إلى إبراهيم البهرزي الوحوشُ التي تأتي من الحديقة المظلمة، تخترقُ زجاجَ النافذةِ مثلَ الضوء.. تحدّقُ بي ثم تمضي الى غرفةِ النومِ.. وأنا اجلسُ متماسكاً، على الأريكة المغطاةِ بالنمل.. لا أدري للآن، ما الذي تفعلهُ الوحوشُ وهي تدمدمُ بزئيرِها المكتوم تتقّلبُ فوقَ سريري، وتنقّبُ في الدولابِ المكتظّ...
· جالسا في باحة المقهى ،ساهما ،أفكر في أشياء حدثت ذات زمن ،أحفر بهدوء في تعاريج الذاكرة،لاأعير اهتماما لما يجري ويدور حولي ،الذاكرة تشدني ،تدفع بي إلى مدارات تقود إلى زمن عميق وأماكن كانت تضج بالحب والحياة ،أرشتف فنجان قهوتي ،أمارس حقي في العيش خارج نطاق المألوف والروتيني الحامل للسعات الملل ...
كان شهر عسلها قشعريرة طويلة. إنها شقراء، ملائكية، خجولة. وقد جمَّد طبع زوجها الصارم أحلامها الطفولية كعروس. كانت تحبه كثيراً، إنما كانت تخالط حبها رعشة خفـيفة أحياناً، حين تنظر خلسة إلى "خوردان" الصامت منذ نحو ساعة، وهما عائدان ليلاً فـي الشارع. وكان هو من جهته، يكنّ لها محبة عميقة، ولكن دون أن...
حين كنتَ تَأخذ سلفي في المَدينة القديمة لمْ تنتبه أنّك كنت أمام حمام اليهود في سوق الغزل ، ولا أظن أنّك عرفت أنه سوق يَحمل ذَلك الاسم المثير والغامض . فهو سوق للغَزَل، للكَلام الغانج ، وقَول الشّعر في الحبيبة والتشبيب بها ، يمكنُه أنْ يكونَ غزَلا عذريا عفيفا وبدويا ،ويمكنه أن يكُون غزَلا صريحا...
في تلك الليلة الباردة من ليالي الشتاء، كان الظلام حالكا، سمعت طرقا خفيفا على الباب. رفعت عن رأسي الغطاء، أنرت ضوء الأباجورة الأزرق، لأسمع ارتطام جسم ثقيل. قلت في سري أطمئن النفس: – لعله آت من عند الجيران.. يا لهم من بدو مزعجين. عدت إلى النوم. مواء قطط ونباح كلاب في الخارج. أزحت عني الغطاء كاملا...
أضعُ الفرشاةَ أسفل المرآةِ، الرغوة البيضاء الناتجة عن تحريك الفرشاة على ذقني أكثر إمتاعاً من تلك الجاهزة في عبوة حديدية، أفصلُ أعلى اللحيةِ عن باقي الشعرِ بشفرة الموسِ نزولاً حتى عظمة الفكِ، أُكرر ما فعلتُ على الجهةِ الأخرى، أُتمُ حلاقةَ لحيتي بسلاسةٍ دونما أي جرحٍ يشوه نعومةَ ذقني القمحي،...
أمسيت أرقب تنفس المراعي وبعض الخبيث يسكن صدري وفمي.. رفض المطر سلوكي الغبي فأطفأ جذوة سيجارتي برذاذه.. تكاسلت عن التدخين وعن الغناء للشياه.. راق لي منظر الغيوم الغامقة السواد وهي تتشاغب مع بعضها البعض على مساحة واسعة من السماء.. أمسكتْ ببصري لما رأيتها تناور لإغراق الوديان وتكوين السيول، والخراف...
أوشك الفجر أن يطلع، وتصايحت الديكة إيذاناً بطلائع النور، فأخلدت الحجرة إلى السكون والصمت، كأنما أسلمها أنين المرض الموجع وتأوه الإشفاق الأليم إلى الهمود. كانت ترقد على الفراش امرأة شابة يبدو من اصفرار وجهها وذبول خديها وشفتيها وتضعضع كيانها أنها تعاني وبال مرض يهتصر شبابها. وعلى فراش قريب رقد...
كان خالد أفندي يتردد على مقهى (الحرية) في مدينة المنصورة أصيل كل يوم. ومع أن المقهى يشرف على النيل، ويقع في أجمل بقعة في هذا البلد؛ فإنه لم يحاول مطلقاً أن يملأ عينيه مما حوله من جمال وسحر. . . فهو لم يشاهد منظر غروب الشمس في النيل، ولا طلوع القمر من وراء السحاب، ولا الزوارق الشراعية وهي تسبح في...
لم يكن من طبيعتها الزهو والمباهاة، ولكنها تشعر الليلةَ بين لِداتها وصواحبها أنها قد بلغت مرتبةً من حقها أن تُزْهي بها وتفتخر؛ إنها خطيبة (سامي)، وهذا خاتم الخطبة في إصبعها يزهو ويتألَّق شعاعه؛ وأي صواحبها لم تعرف (سامي) أو تسمح به، وإنه من الشهرة وذيوع الصيت حديثُ كل فتىً ونجوى كل فتاة! وراحت...
كنتُ أراها في أحلامي. لم تتوقَّف عن المجيء يومًا. أراها وألمسُها وأعرف تفاصيلَها، وأستيقظ إلى يومي وعالمي، المحكوميْن بالتكرار، من دون أن تغادرَني لحظة، وقد أطلقتْ في روحي نهرًا أزرقَ أواجه به عالمًا جافًّا بلا غيمةٍ أو عينِ ماء. في الطريق إلى الأماكن المكرَّرة، كانت ترافقني. تبزغ من بين...
الليل بحيرة فحمية الضفاف طويلاً كطريق مسافر بلا وجهة والصمت هو كل حالات التراجع الوحيد والهزيمة الفريدة التي يدركها الجميع، ربما يكون في قليل من الأحيان منطق لصرخة متورمة. جفف حلقه بما ابتلعه من بقايا لعاب فقد أصبح الإحباط والحزن ريقاً لـه لا يستنكر طعمه انتفض بعد أن انغرست في قدمه شوكة...
تطايرت أمامي متعمدة مسافة متر و متر آخر و أمتار أخرى كجرادة تائهة .كانت مجعدة و خضراء كخضرة الحقول، و كخضرة عينين أحببتهما يوما لما نبت زغب ذقني ، لكن خضرة أمعائي من جوع يومين كانت أشد . أجبرتني على رؤية كل الأشياء ضبابية الألوان و الأشكال . تطايرت الورقة الخضراء و تطايرت . لم تكن هناك ريح...
أعلى