ليس ثمة غبار عليه او غموض ، كان رجلاً يتحلى بهدوء محير وغرابة جذبتني ، مذ جاء وسكن في فندق البلدة ، حاولت ان اكتشف مقصده ومعرفة سر الحزن المخيم على سحنته ، يدخل المقهى اخالسه النظر ، اراه في بحر مصيبة يبحر بخياله ونظراته لاتحط على شيء ، احياناً لا يحتسي شايه ، يدفع ويذهب ، لم الحظه يحاور احداً ،...
كمن يعوم في شطآن معبأة بالمجاهيل ، تحسس بأنامله اليابسة ،الجدران المقشرة للمكان الذي اجبره على اصطفاء القرفصاء ، لشدة ضيقه ، كحل امثل لأنهاء الليلة الاولى فيها ، بعد ان ضغط ذوي الاكف القاسية على كتفيه لرميه فيها ، كقطعة قماش مهملة ..
تلمس بأنامله مرة اخرى ، جفونه الذاوية بعدما كانت ملفوفة بقماش...
1 ـ
كانوا جزءاً من طائفة غير معروفة، تمثل امتداداً لذلك التقليد العريق في استدعاء المخلص، والذي يضمر حيناً من الدهر ثم ينبثق بقوة في فترات لاحقة. لكن المخلص الذي بحثوا عنه، هناك في غرفة قذرة الحيطان في منطقة البتاوين، بين العمال السودانيين المهاجرين الى العراق. هذا المخلص يشبه الوجوه الداكنة...
جالسه علي ذلك الكرسي الذي تآكل طلاءه ، الاشجار المحيطه بذلك الكرسي استغنت عنها اوراقها ، خيوط الشمس تهمس بين حين واخر للثلج المتراكم فوق الاغصان، يذوب وينزلق ليبدا رحله جديده.
علي الحشائش يتجمع الثلج مهما كانت همسات الشمس دافئه فلن تؤثر فيه.
تنظر الي ساعتها الفضيه، نظرات اللازمن والزمن...
أسمى أنطوان بافلوفيتش تشيخوف.. وأنا عندكم وفي كتبكم تشيخوف أو تشيكوف أو جيكوف، وأهل بلدي ينادونني جخوفا.. ولدت سنة 1860 وأنتهيت في 1904، لم أنته في كتبكم وعيونكم وحنان محبتكم.. أنتم تعيشون وقد تجاوزتم القرن العشرين، وأنا ما زلت أليفاً بينكم ليس فقط في قصصي بل مع مسرحياتي التي أنتشت بلغتكم...
قدر كبير لم يبق منه السخام ولو ملمح ذكرى لبياض قديم .. حبات من باميا عارية طافية بلا لحم .. باحة دائرية مطوقة مخنوقة بفنادق بائسة شاحبة، زبائنها مخلوقات شائهة من قرى جبلية بعيدة ومن بيوت طينية وصحارى رمل وخيمات شعر ومن دروب رطبة معتمة لمستنقعات موبوءة، ومن خدم وصبيان محال التجار والدكاكين...
الخطى في هذا الصباح الضبابي، مرتبة، هادئة، ومنشغلة بنقلاتها الأنيقة على بلاط الرصيف الملون، كل حركة تدلني على طريقة لامعة ادخل من خلالها في حواريتي البريئة معها..، لأرسم شكل القادم الذي انتظرته طويلاً، لم أشاهدها في حياتي قط..، إنها كعمري المزمن بالحزن، حديث نقله احد أصدقائي الذين أكن لهم...
لم تمس يداه الطعام مما اثار فزع امه ومن دون مقدمات رفعت يدها الى جبينه، لا اثر للحمى ترى ما الذي يشغل بال ؟ ولدها الوحيد الذي طالما تمنت من الله ان يرزقها به ونذرت النذور لميلاده، لقد قامت باستجداء ملابسه من الجيران، اطالت شعره مثل البنات، لكي لا تصيبه العين ولا يفكر الموت في الاقتراب منه...
منذ أكثر من عشرين عاماً وحمدان المطر يعمل ساعياً للبريد في محافظة نينوى, ولم يكن يوماً قد أهمل عمله أو تضجّر منه, كان يعمل في توزيع الرسائل حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي, وفي بعض الأحيان حتى ساعة متأخرة من الليل. ونتيجة خبرة تمتد إلى عشرين عاماً مضت اكتسبها من عملهُ المقرب إلى نفسه كموزع للرسائل...
تجذبني بشدة العلاقة الحميمة بين امرأة جميلة وكلب أليف.
انتبهت طبيبتي النفسية لعبارتي الأخيرة، عبَرت عن ذلك بنصف ابتسامة كسرت رتابة ملامحها، كانت تجلس كعادتها عاقدة الكفين، تضع ساق فوق ساق في مواجهتي، وضوء الأباجورة الأصفر مسلط على النصف الأعلى من وجهها .. كانت عينيها جميلتين وفيهما سذاجة محببة...
في العام الذي كانت تنجب فيه أمي مولودا ذكرا، كانت تنزوي زوجة عمي التي لم تنجب بعد الإ الاناث بعد أن تكون قد تعرضت لفصل الحكاية البالي المتوالي من القريبات والجارات اللواتي كن يلمزنها بالقول “من باب الحكي الك واسمعي يا جارة”،
فتجيبهن بوجهها الناشف وأسنانها الطويلة وخصلة شعرها قد تدلت بعصبية من...
كفراشة تسرح بين مروج القرية الذهبية، تتنقل بين الأزهار المشرئبة وتحلق بعيدا حيث الفضاءات الخضراء ، تنطلق بفرح سرمدي كحصان جامح بري تمرد على الترويض وباحثا عن الحرية والانعتاق، بهيجة تأسر الناظر إلى عينيها الواسعتين كسماء القرية الصافية …
لم تكن بهيجة كأي طفلة من أطفال القرية التي فاضت بهم الأزقة...
الجديدُ في القديم كـسيجارة أشعلها من عقب القديمة ، فما هو الجديد فيها إن لم تكن تزداد مرارة في الفم ، هل عليّ أن أدخنها بشكل أسرع من سلفها أم ببطئ بينما تغرق هاتان العينان في ضباب التفكير ؟
تحت هذه المروحة التي لم أجرؤ على إطفائها منذ أربع سنوات كاملة من الغربة يتطاير الرماد ليرسم دوامات جديدة...
كان هذا هو اليوم الأخير في " التأبيدة " التي قضى فيها السجين عشرين سنة من عمره وراء القضبان و هو يعد الأيام يوماً يوماً إنتظاراً لتلك اللحظة التي يرى فيها النور .
و قد دخل إبراهيم السجن في جريمة قتل ..
و يذكر إبراهيم ما حدث دقيقة بدقيقة ، و كأنما هناك شريط سينمائي ناطق مجسَم بالألوان يدور في...
فتشت داخلي بين الأركان النائية المهجورة عن هذا الموجوع الذي غادرني بعد رحلة من الألم انتهت برسالة فيها قال :
- ” يا أيها العبد.. سأغادر أرضك اليابسة، فاظلم وتجبر كيفما تشاء، وإن سألوك قل؛ غادرني قلبي، فلا تلوموني ”
والحق يقال أنا لم أبحث عنه لرغبتي في بقائه، بل فعلت لأمارس حريتي كاملة في ظلم...