في خلوة مع نفسي الثائرة على نفسها وذاتي المنتفضة على ذاتها... أقلب أفكارا تائهة بين وفرة الشك وشحة اليقين وبين ظلمات الوهم وبصيص الحقيقة. أتمعن في دواعي التمرد ومتطلبات القناعة، في جحيم الواقع ونعيم الطموح. أتنقل بين صحراء الكآبة وواحة الفرح، وبين جنون العظمة وحكمة التواضع..... سمعت دويّا قويّا...
أربعة أيام مضت، والضجيج يعلو المكان، تنتفض الحناجر باللغط المتواصل، تتطاير الكلمات والمطالبات في حيز مكتظ، لا جدوى من فحيح ممزوج بالفوضى، أربعة أيام كفيلة برسم اليأس على كل الوجوه، فالوجوه التي تتردد على هذا المكان تتقارب لحد الشبه! والسبب الذي يجمعها هو عدم الاستجابة.
أخبرني أحدهم أنهم يقفون...
يا لوعة قلبي على آبي جار الله .
كنت كل صباح اسمع في تلك المدينة المتناثرة في الصحراء أحاديثا تتسلل من نوافذ عماراتها عنه ، كيف استطاعت تلك المدينة الضبابية أن تلمز آبي جار الله ، الرجل الكبير ، والذي سيبقى كبيرا رغما عنها ، وعن مجمعاتها التجارية الزجاجية ، وعن ركاب سياراتها الفارهه ...
استيقظت مريم وفركت عينيها وبلعت ريقها المتيبس، بدت كما لو أن حلما ثقيلا كان يجثم على منامها، مشت بثوبها الزهري نحو المطبخ، حيث جدتها تقتعد الأرض، رحّبت الجدة بها بقبلة عميقة على خدها واجلستها في حجرها، ولأن صور الحلم المزعج ما زالت ملتصقة بالاشياء مثل طيف حيثما حرّكت مريم عينيها، كان أول شيء...
تَفتًحت ورود صباها في كنف أمها وخالتها، كونها يتيمة الأب، لذا كُنَ دوماً يبُالغن في حمايتها ويمنعانها من أبسط حقوق مَن هُن في مثل سِنها. لم تنسَ توبيخ والدتها لها حين حاولت إختزال شعرة من حاجبيها أو تأنيب خالتها لأنها أرادت أن تلون شفتيها ذات مرة بلون الدُرّاق و لكونها طالما قرأت الأسى في عيونهن...
دخلت هالة العراقية المغتربة في باريس شقتها مرتمية على أول كرسي اعترض طريقها وحزنها مرتسم على ملامحها الجذابة.. امرأة في منتصف عقدها الثالث، طويلة، رشيقة، عينيها العسليتين الواسعتين برموشهما الكثيفة الطويلة توقع أي شخص في غرامهما باستسلام، شعرها الأسود المنساب على كتفها، أنفها المرسوم بدقة، وجهها...
(1)
الحب، الحب، الحب
الاعتراف سيد الادلة
الجريمة اخطر من الاعتراف
أنا إبليس الذي حرم الآباء طقوس الجنة . فالخطيئة ابلغ تصورا من الخطأ . تجربة الحب مخبولة بأنفاسك المتحشرجة في بوق أذني . فلا اسمع سوى هسيس ظلك يلهمني نزوة إقبارك في الجحيم ، لأتلوى في طقوس معبد ليلك المحموم . قد...
نهض بصعوبة. نظر إلى صورة سيده المعلقة على الحائط باِهتمام. بصبص. فتح فمه. وأخرج لسانه بينما كان يلهث. سقطت بضع قطرات من لعابه على الزربية المزركشة الزاهية الألوان. كانت عيناه محمرتان. وبدا عليه الإجهاد والسقام. تساقط شعره حتى ظهر جلده في بعض المواضع من جسده. تنهد. و تحركت أذناه تنصتان إلى دقات...
يسمونها الحمامة البيضاء. أناقة و سحر طبيعي. يليق بها اللون الأزرق. هي بيضاء من رأسها حتى أخمض قدميها. مبالغة؟ أكيد. إذن الأبيض هو قلبها. يسع الدنيا كلها. عشقها مغامرون، سياسيون، أدباء و رحالة. معشوقة هي منذ غابر الأزمان. من أجلها سالت دماء و في حبها سال مداد كثير.
أنا الذي أعشقها حدّ التلاشي...
لفظني كمضغة غير سائغة ثم اختفت أقدامه خلف الباب ذي المربعات الزجاجية...
لا شيء يميز هذا الفضاء الطحلبي. مكتب متآكل يتوسط الغرفة، تناثر عليه نزر أوراق وقصاصات، وعلى يساره طاولة صغيرة حبلى بآلة كاتبة تنتمي لعهود ما قبل العولمة، ومصباح مكشوف لم
يشتعل بعد، تدلى من قلب السقف الحائل كعلامة استفهام...
في البداية ضغط بالإبهام على زر التشغيل. ضغط السي محمد ضغطات متواترة. ثمّ ضغط بالأصابع كلّها كما لو يبصم بجماعها عليه. اليد اليمنى ضغطت فيما اليد اليسرى كانت تشدّ على حافة الآلة. ولمّا لم يستجب المصعد زفر طويلاً، ولعن الآلة. قال إنه في لحظة ما فكر في قذفها بركلة من حذائه الرياضي، لكنه أحجم. وعوض...
اندفعت مرحة لأجيب نداء زوجي ثم تسمرت في باب الصالة أبحلق في وجه زائره كالبلهاء وشفتاي تنقشان في صمت: (هو شاقور.. وحش حارتنا.. هو.. هو..)..
أيقظني زوجي وهو يربت على كتفي ويعيد علي تقديم ضيفه مبتسما لي:
ـ السي شوقي.. مساعدي في العمل
تيممت بابتسامته. ابتلعت ريقي الحار مع كأس ذكرياتي فأرخيت يدي كما...
نقص وزنها كثيرا، و تزايدت حدة آزماتها..كانت تشعر عند بداية كل أزمة انها لن تعيش بعدها..
حملها الجيران مرة أخرى الى قسم المستعجلات، بعد انتظار، بحثت في ارجاء الغرفة الباردة عن ذلك الطبيب الذي ابيض شعره.. كان يمشي في الممر قبل قليل، تمنت أن يكون هو من يعاين حالتها هذه المرة..خابت أمنيتها عندما...
اتصل به مكتب مسؤوله المباشر ليطلب منه الحضـور فورا، ترك الأوراق التي بيديه، اقفل باب مكتبه المربع خلفه، اتجه للمصعد**، حيث الطابق الثاني في مبنى المؤسسة. يدخل، تطلب منه السكرتيرة السمراء أن يجلس بانتظار الاذن له.
بعد دقائق، بعدما عبرت الابتسامة وجه الساعة المعلقة... يدخل المكتب المستطيل، البخور...