منذ أن تمّ افتتاح هذا الفرع الجديد "للشركة المغربية لنقل الأموات"، في البناية المقابلة للعمارة التي أسكنها، تغيّرتْ حياتي تمامًا.. تغيّرتْ نحو الأسوأ. ففضلًا عن هوسي المزمن وغير المفهوم بتتبّع مواقيت دخول الموظفين وخروجهم؛ ترصّد نوعية الزهور والتوابيت المقترحة على الزبائن؛ وإحصاء عدد السيارات...
كنت أقضي أيامًا في كازبلانكا قبل شهر. وفي صبيحة جميلة، توجّهت صوب حانة "س"، التي كنتُ قد انقطعت عن ارتيادها منذ نحو عشر سنوات. لقد كانت حانة صغيرة، وأغلب روادها هم من زبائنها الدائمين. إن لي فيها معارف وذكريات، ولا شك أن شيئًا كالحنين هو الذي اجتذبني إليها، بعد غيابي عنها منذ أن أصبحت أقطن...
قال الرجل: أنا الآن في السبعين، ما الذي يرجوه رجل في السبعين، بل ماذا يفعل رجل في السبعين قادم من بلد بعيد في ردهة فندقٍ قاتمٍ كروح هذه البلاد، كسمائها، كحاناتها، كألوان بزات الرجال الخارجين بمظلات ملونة من العالم السفلي لا يلوون على شيء؟ ماذا أفعل هنا بحق السماء؟
تذكَّر أنه جاء إلى هذه المدينة...
أفقت من غفوتي فجأة، لا أذكر أي شيء عن حياتي السابقة، عن نفسي، عن مكان وجودي، أفقت لأجدني أجري بأقصى سرعة، أهرول وتتطاير الأتربة من حولي ويحف الهواء بأذني محدثا صوت صريخ مزعج، لا أرى هدفي بشكل واضح، ولكن لا بد من أن هناك هدفا أتعقبه، خمنت أنه ما زال بعيدا عني، خارج مجال رؤيتي، وأن عليّ أن استمر...
أمام الخراب الذي يعانيه العالم يخجل أن يتحدث عنها. كثيرًا ما يكره رومانسيته، يراها خيبة كبرى، ويراهن على صلابته في مواجهة أمواج الهم المحيطة به. عليه أن يقف على قدمين برأس مغروسة على كتفيه فوق أرض صلبة. لكن بجعة أحلامه تلك لا تنازله إلا فوق رمال متحركة. هي تستطيع الطيران بجناحين مفرودين للريح...
1
في الصباح تحركت جنازتان.
تقابلتا في المنتصف حيث مساحة المقابر تفصل بين قلب المدينة وبين الضاحية العالية. جنازة لرجل والثانية لسيدة. كأنهما قررا في الوقت نفسه، أن يغلقا حكاية البيت القديم. البيت الذي شيدته السيدة دون أعمدة مسلحة، وكان هو أول سكانه، قبل أن يتركه نزولًا على رغبة الأبناء للانتقال...
كانا نقيضين، ولم يكن ممكنا أن يكونا كذلك إلا لأنهما حين يلتقيان يبدوان نوتتين لا بد منهما كي تستوي سيمفونية الخلق، مثل وجهي عملة من زجاج، القفا يتداخل مع الوجه، وأشياء أخري، أحدهما يزيد من نحوله طول ينم عن نشوز غير مراقب، بوجه متفاوت التركيب، الأسفل منه مثل ورقة كمشت، بينما الأعلي كان له مروق...
في مقالٍ نقديّ للأستاذ النّاقد " حسني أبو خليل " نشره في مجلةِ " لسان الأدباء " ، العدد ( 513 ) . تحت عنوان " خريف البيادر وتزييف المشاعر " . وتجدر الإشارة إلى أنّ " خريف البيادر " هو عنوان مجموعة شعرية صدرت لي منذ أيام قليلة ، عن دار " الصمت " للطباعة والنشر ، وهي المجموعة التّاسعة لي على ما...
أخلي وجهه للذهول, حين قال الضابط أمام البوابة الحديدية المواربة: لم يعد الدخول متاحا إلا لأبناء المدينة؟ فرك عينيه, وفتحهما, يحاول استيعاب المعني: أنا من الإسكندرية.. ما تمنعني من دخوله ميناءها الشرقي. ذلك زمن ماضي, هو الآن مدينة تقتصر علي ناسها! هل جففت الأرض, وتراجع...
لأنها ليست إلّا هي، بميراثها الثقيل من الرؤي الطالعة من أحشاء الأرض، لا يسعنا إلا أن نصدق- علي الرغم من أنّنا لم نتعود علي التسليم بالخارق من الأحداث بسهولة- أنها كانت تحاذي حدود الحقيقة بطريقتها الخاصة، كانت تفعل ذلك من دون أن تقصد شيئاً محدداً مما تلقي به من فمها، كانت تقول الأشياء لتقولها...
التقيت بها عند المرفأ القديم. كنت ذاهبا لتفقد قاربي بعد العاصفة التي ضربت بقوة في الليلة الفائتة. فقد ظل البحر طوال الليل يتقيأ غضبه بالشط. حين قابلت العجوز شارلي جالسا مع خمسة أو ستة بحارة خارج الحانة أدركت سوء يومي. هتف العجوز وكحة كحة جافة نفثها من صدره الملي بالدخان كافراغك كيس تبن أمام...
كان " سامح " يتقدمنا بعدة أمتار ، حين بدأنا ندخل متسللين إلى" مقطع الزَّاغ"، ومنذ أن خطونا إليه ، تسرّبت إلى أجسادنا برودة عفنة ، فشعرنا بالرّاحة والنّشوة ، لأنّ حرارة الجّو في الخارج كانت خانقة .
اجتزنا الطّريق الضّيقة المتعرّجة مبتهجينَ ، ولكنّ إحساساً داخلياً بالإنقباضِ والوحشةِ أخذ...
عندما خرجنا من يافا إلى عكا لم يكن في ذلك أية مأساة.. كنا كمن يخرج كل عام ليمضي أيام العيد في مدينة غير مدينته. ومرت أيامنا في عكا مروراً عادياً لا غرابة فيه، بل ربما كنت لصغري وقتذاك أستمتع بتلك الأيام لأنها حالت دوني ودون الذهاب للمدرسة.. مهما يكن، ففي ليلة الهجوم الكبير على عكا بدأت تتوضح...