شوق.. يا شوق.
حين تطلع شوق من الدار تصحو الدنيا, تنضو عنها رداء الليل. تخرج وعلى بدنها اللين جلبابها المنسوج بألوان الفجر والزرع المندى بأنفاس الكون. تحبك القمطة السماوية فتبرق أطرافها بنجوم متوارية خجلا من صبح حسنها النوار. وتفتتح طيور القبة غناويها من أجل شوق.
أنت يا شوق تعرفين ولا تعرفين...
أمي من وادي أم الربيع، من هذه المنطقة الأرضية الخصبة، حيث الربيع فصل دائم الحضور. لا فصل يأتي إلى هذه المنطقة سواه. من هنا ربما سمي النهر العظيم الذي يخترقها، بهذا الاسم الشاعري الجميل.هذا الاسم الذي سيطلقه سارد القصة، على شاعرة جميلة، سيتعرف عليها في مستقبل الأيام. كنا صغارا نمشي إليه، نتجه...
أيّها الحلُمُ، تجوّلْ وفتّشْ جيداً في الذاكرة، لعلك تجد (كلّي) المبعثر هناك.. الذي أسكنْتُه قطْعة قطْعة، في طبقاتها وغرفها وزواياها القَصية، حتى نسيتُ أغلب العناوين.. أحياناً يدلني وجهٌ أو صوتٌ أو عطرٌ على ما أريد، وأحياناً أفتح كل الأبواب وأقلّب كل الأدراج وأفـكّ كل الصُرر، فلا أحظى ببعض ما...
لا زلت أحتفظ في ذاكرتي بتفاصيل ذلك اليوم الربيعي الجميل. كنت برفقة اخوتي وأخواتي في جنتنا الواقعة في أطراف الواحة الكبيرة. كان من عادتنا قضاء يوم العطلة في الجنة، نساعد جدّنا في أعماله الفلاحية من ناحية، ونقضي يوما بين أحضان الطبيعة من ناحية أخرى. لذلك ترانا في انتظار اليوم الموعود على أحر من...
كنت وأنا أقود سيارتي على الطريق المؤدية إلى المطار، أراجع في ذهني تفاصيل المكالمة الهاتفية التي دارت بيني وبين البروفيسور كاتاني، منذ ثلاثة أيام خلت. والبروفيسور كاتاني هو من أشرف على بحث التخرج الذي أعددته في علم الآثار في إحدى الجامعات الإيطالية، وللرجل عليّ في الواقع فضائل لن أستطيع ردها ما...
حاولت كثيرًا كتابة قصة حول الصوت الأكثر توهجًا في ذاكرتي حتى اليوم، ولكنني كنت أتراجع دائما خوفًا من الانحدار إلى مستوى النكتة الفجة، فالاتهامات بالمبالغة واقفة دائما بالباب لخيال الكاتب الذي لا يملك إلا أن يبتسم في مواجهتها، لأنه وحده يعرف أن الحقيقة كانت أكبر وأنه اضطر لتخفيفها لتصير أدبا...
خرجت إلى البريّة الممتدّة حتى مشارف الربيع.. بسلّتها المهملة منذ الشتاء، بكّر الربيع في بثّ خصبه وسكْب عذوبته في العروق هذا العام. تورّدت بشرة الصبيّة بمزيج الضوء والعطور، وانتشت البهجة على وجنتيها، ورطّب شفتيها طعم الندى المتبخّر من الحشائش الغافية، تشبّعت روحها بالنسائم، وتنبهّت حواسها بوشوشات...
عندما وقفت امامه ذات مساء، تداركت انهياري، واتكأت على الجدار، متوسلة اليه حمايتي، واحتمال انهياري قبل أن أحدق في وجهه.. وهو يناديني :
- فيرونا.. ارفعي رأسك، اريد ان اتحدث معك .
فوجئت باسمي على شفتي إنسان لم اعرفه من قبل، ولم يعرفني من بعد.. كانت نبرات صوته مشدودة.. فيها أمر، مثلما فيها رجاء...
1
تنتهي ولائم النميمة فجأة في دارنا. تمسح أمي وجهها بالراحتين، تلمس الحصير تطيرا، تتنهد و تقول:
- على العموم. ماشي شْغَلْنا.. (في الواقع ، لم يعد لديها ما تقول).
ما حدث بالضبط، خلال الأيام الأخيرة، هو البرد والغبار. غطت سماء القرية ظلمة كثيفة، اختبأ الجميع في المنازل، توقف الأطفال عن الذهاب...
في زقاق الموتى أرتعد كلما تبدى بياض .كنتُ سيد أحلامي ،لكنها أحيانا ترهقني وأنا أمر مستندا إلى جدار الزقاق. تتحرك الكائنات في الزقاق وفي مخيلتي فترتعش ساقاي.آه يا بياض طفولتي ،كل شيء في زقاق الموتى في حلكة الليل أبيض ،حتى وأنا أغمض عيني وأركض تظل الأشياء حليبية تتراقص في غنج .
وفي بياض النهار،...
1
حين الظلمة تبرك على الامتداد، على سهل نابت في مكان ما من الجنوب: القطعة الفائضة من الأرض، تمسح تضاريس كثيرة من الوجود، تتخفى،و يولد وجود آخر، مواز،إذ تشتعل حركة جديدة ليلية، تتحرك كائنات وسط الظلمة، وتتململ بعض الأصوات، تحملها الريح وتطوح بها بين أركان السهل :
- كل.
-لا كل أنت .
2
وسط السهل،...
العابرات من عنب إلى عنب، ومن عصيره إلى مائه، جرّبنَ تخمة الحب وتخمة الخيانة ودوخة المساء الأخير، فاكتفين بما تبقى من دخّان وأتقنَت أصابعهن نفضَ الأعقاب بعد تجربة طويلة من النظر في مرايا المحلات.
من شجرة إلى شجرة أوحائط إلى حائط أو مقعد إلى مقعد أو سرير إلى مطبخ، حفاة أو عراة أو نصف هامسات، كما...
أعرف رجلا تدرّب قلبه على البداوة.لم يُعاند الصحراء فهو يعرف طبعها.حدث ذلك في البداية فقط.أعرفُهُ يمشي طوال الوقت، لا يتوقف.يُدرِّب قدميه وقلبه على السبل، وئيدا تختلج المسارات تحته، على غير هدى يخب في رمل الأرض، لا يركن لمكان لأن وجوده الأول علّمه أن البدوي الحق لا يستقر إلا حين يموت.هذا الرجل قد...
قال الحافظ:
ولما افتضح أمر حب المرأة لامرئ القيس، نبذتها القبيلة، وقالت النسوة فيها ما لا يطاق من التعيير والطنز. فلم تجد مفرا من البحث عن ابن عمها طرفة بن العبد والتماسه في أطراف الجزيرة وعمقها، إلي أن اصطادته ذات مساء في حانة غرب يثرب، ليلها كنهارها، لا يدخلها إلا ماجن أو قانط. وفي هذه الحانة...
لم أكن وحدي في حفل ختان ابن جارنا أحمد، بل كنا خليطا من البشر والروائح: عرق نتن يفوح من تحت آباط نساء وشيوخ بلغوا من العمر عتيا، فتيات بعبير جنان التفاح وقد نضج حتى تهرى، وشباب بقوة عشرة خيول قد أطرقت رأسها، خوفا من رؤية ما قد يهيجها للسباق قبل قرع طبول الانطلاق، وبعض صبية كالقطط كانوا ينطون من...