سرد

كنت سألقى الشيخ في مكانه اليومي المعتاد إزاء النهر. لكنني اليوم حثثت خطاي مسرعًا إليه. كنت أريد أن أراه.. قبل فوات الأوان! بدا البيت أمامي، على مبعدة عشرين أو ثلاثين مترًا، أشبه بسلحفاة غادرت لتوها ضفة نهر. لم أنشغل، مثل كل مرة، بتأمل شناشيل الأمس، جدرانه المتداعية، بل هرعت إلى الداخل مرددًا...
كنتُ أخجل من كلمة "بابا"، خاصة لمن تربى في الخليج، حيث ميل اللهجة المصرية للترقيق مثار سخرية الجميع. كنت أراوغها بكلمات من قبيل "والدي" أو "يا حاج"، تندّر هربت به من حرج المفردة وتصوّري المُقحم عنها، إنها للأطفال وليّني التفكير.. حتى أيقنت بفصاحتها. قال الشاعر ابن الوردي (691 - 749هـ) عمر بن...
-1- في الطريق إليه، نعبر بأناة على الجد محمد ناظم باشا، الذي عين والياً على ولاية حلب، بين عامي 1905-1908، الرجل الذي عُرف بنزعته الصوفية، وكتابة الشعر بالتركية والفارسية، وعلى نجله حكمت ناظم بك، الذي عمل في عام 1908، على إصدار صحيفة "صدى الشهباء" باللغتين العربية والتركية، الصحيفة التي أتت...
حين يهبط السكان تحت الأرض، كلما اشتدّت حرارة السطح، يأخذون معهم سجيناً واحداً، يستبقونه رمزاً لماضٍ سياسيّ خانق عانوه، مع سجّانه الذي يرافقه دوماً. وربما وضعوا تاريخاً ثابتاً يذكرهم بيوم السجين السياسي، أسوة بأيام الأسبوع المتسلسلة في رموزها الأبدية. في بداية صيفٍ لاهب، أعفِي المساجين جميعُهم...
كنت أبحث عن ظلّي.. أمضيت أسبوعًا آخر وأنا أبحث في الأماكن التي تخيّلت أنّي زرتها أو وطئت قدماي إسفلتها وأرصفتها.. هكذا قال لي جاري العتيق في إجابتي على سؤاله الروتيني عن أحوالي.. قلت له إني مصاب بصداعٍ غريب.. إنه لا يدور في رأسي ولا يسبّب له الدوران ولا دوخة موجعة.. مجرّد ألم أشعر به وكأنه...
الأيّامُ التسعة الأولى كانت سريعة، مألوفة، ولنقل إنّها متوقعة إلى حدٍّ بعيد. كانوا "عادلين": إذ عاملوا الجميعَ بالقسوة نفسه، مهنييّن:أدوا الوظيفةَ المنوطةَ بهم بإتقانٍ شديد. وكانوا كلهم رجالًا. عنصرُ المفاجأة المفقود قتل ارتباكًا كان ممكنَ الحدوث، وجعل ردّاتِ فعلي رائعةً، بل مثاليّة: إذ قابلتُ...
عثرتُ بين أغراض جدّي التي تعجّ بها منشرته على مسدسه المخبأ بعناية، والآن سأقتل به نفسي. أتذكّر رؤيتي له في يده منذ صغري، ينظّفه ويزيّته. كان اقتناء السلاح موضة في تلك الأيام، قطعة مكمّلة لأثاث كل بيت. كان مسدس بَكَرة من نوع كولت، مصنوعا في الولايات المتحدة، ملفوفاً بخرق مزيّتة، وموضوعاً في...
في اللحظة التي أتوقف فيها عن الإيمان به يختفي ابن رشد. بورخيس التصويرات الجهنّميّة احتلّت مكاناً عميقاً في خيالات الأمم، في هوّةٍ حالكة السواد وراء الكلام الذي يمكن سماعه، وراء الرغبات التي يشحذها الرجاء الحار، ووراء التجدّد بالاعتذار، وهي السمة التي تميّز أبناء الحياة. في زمن لم نعد نشعر به،...
هنا الباصات مرقّمة، لكلٍ منها رقم، ولكل رقم اتجاه محدد، الرقم (3) ينطلق من (الباب المعظم)، تذكّر ذلك، وينتهي في (ساحة الفتح)، وهو يشبه بذلك الرقم (4) الذي ينطلق من (الميدان) لينتهي في (ساحة الفتح) أيضًا، وقد ترى أن الاختلاف بينهما يصبّ في نقطتي انطلاقهما، لكن من الضروري وأنت تفكّر بطريقة منطقية...
نماذج من القصة القصيرة لجيل الرواد وقد خطب (خوان) الفتاة منذ ثلاث سنين، والخطوبات الطويلة المدى من العادات المألوفة عند الأسبانيين. . اتفق المحبان على الزواج لدى عودة (خوان) من رحلة يزمعها بعد أيام قلائل إلى بعض الجزر النائية حيث يكثر السمك، وكانت نية الفتى أن ينقطع عن عمله مدة بعد عودته من...
لقد ألفت البكاء بعد فقد وحيدها واستبدلت بالرقص التنهدات وبالغناء النحيب. كانت تعمل في أحد المسارح راقصة ومغنية، فأصبحت تعمل في مسرح الحياة نائحة وباكية. في سنة 1776 قامت أمريكا تطالب باستقلالها وأعوزتها الجيوش فأرسلت تستنجد فرنسا. أرسلت فرنسا المدد إليها بقيادة القائد لافاييت ذلك العظيم الذي...
ننشر تباعا نماذج من القص العربي لكبارالقصاصين الرواد لم يكن حامد قد أتم دراسته العالية حيث بدأت تقوى صلته بصديقه حسين أفندي، ولم يكن الحديث يبنهما كلما تقابلا يتجاوز السؤال عن الصحة والأنجال، والذكريات القريبة عن جهادهما في صفوف الشباب الوطنيين، ولا يذكر حامد أنه زار صديقه حسينا في منزله غير...
- 1 - زعموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فهو لا يحس شيئا إلا أذاعه، ولا يشعر بشيء إلا أعلنه. وهو إذا انظر في كتاب أو خرج للتروض أو تحدث إلى الناس فأثار شيء من هذا في نفسه خاطرا من الخواطر، أو بعث في قلبه عاطفة من العواطف، أو حث عقله على الروية والتفكير لم يسترح...
ننشر نماذج من بواكير القصة العربية لكبار القصاصين الرواد (أشعل لي سيجارة) وكنا نسير بسرعة، فيداي لا ترتفعان عن عجلة القيادة مخافة أن يؤدي أضأل انحراف في التوجيه إلى اصطدام بشيء. ثم إن فمها حلو، وشفتيها رقيقتان، وليس عليهما شيء من الأحمر، ولست أحب السيجارة المبتلة، ولكني قلت لنفسي إن رضابها لا...
(تتمة ما نشر ) استرق إلى نفسي خاطر أن أنطلق بروحي إلى العالم فانطلقت، لم تحدث حركة في الواقع. وإنما كان يكفي أن يتجه فكري إلى شيء حتى أجده ماثلاً أمامي. بل الواقع أعظم من ذلك؛ فقد صار بصري شيئاً عجباً؛ لا يعصى أمره شيء، صار قوة خارقة تشق الحجب وتتخطى السدود، وتنفذ إلى الضمائر والأعماق. بيد أني...
أعلى