سرد

كانت عيناه الجاحظتان تتجولانِ في فضاء الغرفة بصمتٍ يغلفه القلق، تبحثانِ عن الأمان بعد أن بات الأملُ عزيزاً على النفس وحلَّ اليأس ضيفاً ثقيلاً على الصدر، لكن أين هو الأمان والخريفُ المتعجل قد اغتصب الشباب من جسده الفتي عنوة محولاً إياه إلى جسد نحيل يشبه في حاله الحزين جذع الشجرة المتيبس القديم...
كنّا ثلاثة ، وكانت الكلبة رابعنا . كلبة الأرملة " زاينة " الصويرية ، التي تغلق باب الكوخ المظلم على أسرارها كل يوم ، وتهيم على وجهها خارج الدوار ، رفقة ابنتها الخرساء الوحيدة . قيل إن المرأة تعبر الجسر في اتجاه المدينة كل يوم ، تصبن الغسيل في أحياء الميسورين ، وتطلب الصدقات قرب محطة الحافلات في...
في الفجر خرج عبد الله، شاب في الثلاثين من عمره، من داره في (حي الشهداء) متوجهاً، كما في كل فجر، إلى موقف عمال المسطر في (بغداد الجديدة.) كان الصباح ينبلج و الظلام ينحسر، ولكن الدرب، تتوزعه الحفر ومجاري المياه الآسنة الصغيرة الخارجة من الدور، جعله يمشي بحذر، متلمسا خطواته، إلى الطريق المؤدي...
ثقيلة كانت تلك الحقيبة المدرسية على كتفها الصغير، كثقل ساعات مجهدة في المدرسة، مدرسة لم تكن لتملك فيها صديقا، او احدا يهتم لأمرها ، تحمل الحقيبة راكضة، فرحة بانتهاء ساعات القلق المدرسية، مسرعة الى السوق، هناك وجوه وأشياء جديدة ستراها، وهناك ثوب سوف تتأمله وتحلم بارتدائه، وهناك وقت صغير كحلمها...
تناثرت طفولته بين عجزه عن تفسير بواكير الأمور وأسرار دموع أمه التي كانت عاجزة عن أن تروي روحه الظمأى وراء نظراته المستفزة, كلما يتذكر كلامها عن الشيخ يتذكر نثار دموعها وتتكاثر الغاز الحياة حوله, يتوسل إلى طفولته الغضة أن تجيبه عن تساؤلاته المزمنة لكن بلا جدوى, أفي الدنيا أسرار عصية على الفهم؟...
إلى الصديق/ زياد السالم، وهو يحار في اختيار شراب يطفئ لهيب ذاكرته الشمالية. رأيتُ وأجهزة دعم الحياة موصولة بجسدي شبه الميت شجرة مثمرة بنهود بيض وسود وأغصانها المثقلة بالنهود الفتية المتدلية تميل بالأفرع الخضراء إلى الأرض الصفراء وأنا تحت جذعها البني الحائل اللون أستظل بظل النهود على الأرض...
تلونت الأيام في مخيلتي وأنا أفيق من صمتي الأبدي لأصيخ السمع لهمهمات الطفلة ذات السنوات المعدودة، التي تعيش داخلي حين تتضح لي صورة تلك الأحداث.. الفاجعة.. الصدمة.. وهي تتسرب إلى نفسي الكسيرة.. الحزينة.. لحظات الاسترجاء.. الاندهاش.. الرغبة المكبوتة بالصراخ والخوف من المجهول في عالمي المتلاطم...
لا شمش ولا قمر ، لابحر ولا نهر ، ، لا وردة و لا سنبلة ، لا جبل ولا سهل لاوجه ولا جسد ، لا شئ ، لا شئ تطل عليه عيناك المطفأتان . ولدت بين نور ، و فراش لين ، ، لكن الضوء ، كان ينسحب من حياتك ، رويدا رويدا ، يهرب من مقلتيك ، هاربا الى قلبك ، ماتفقده امامك تجده داخلك ، كنت تر ى مالم نر ، تبصره ،...
خرجت إلى ساحة الدار المكتظة بحزن السنين القادمة، يتلعثم الصمت في حنجرتها، ويلفها السكون وتتسكع الكثير من الأسئلة في زواياها الضيقة، تلك الأسئلة تغط في سبات عميق وسرعان ماتستيقظ حائرة، تبحث عما تلتهمه وهي تجول في محاجرها الصغيرة، أرهقها الخوف وفتت الترقب آمالها. كانت واقفة على عتبة الباب، صالبة...
حشرة الخوف تتكاثر في عروقي.. معبأة بها عظامي.. أتت على مخزون النخاع فيها.. تسايل شوقي للحد المعطر برائحة الدود المتناحر في الثرى.. بدا لي لحمي مطهوًا في محرقة الوجود.. استشعرتُ عقلي يخر أفكاري النجسة كدم دبر.. كانت قواي حديد قبل مولد الحشرة، والآن أقف تحت الماء وأبكي.. أوهم نفسي أن دموعي قطرات...
(رجل سيتوجه عما قليل إلى المقهى) أصبحنا غريبين تماماً، نجلس صامتين، متحفزين لمواجهة أبداً لم تتم. لا أشعر تجاهها بأي مشاعر، ولا حتى الشفقة، وهي تبدو من وراء دخان سجائرها عجوزاً بائسة، لا تمت بصلة الى فتاة رقيقة بفستان أبيض منفوش، تتأبط ذراعي في صورة معلقة في الصالون. حالمة، تعيش في عالم من...
بصيص ضوء تختفي في ثناياه الأشياء! عادت من النافذة التي لم تفارق زجاجها طوال النهار، في ذهنها يعلق سؤال صامت! يعيث في نفسها حزناً وألماً، مخاوف شكوك ملتاثة تحيك في صدرها. ارتمت بثقل همومها على المقعد، تحترق بنار تتلظى فى داخلها، تتشظى في جزيئات ترمي بشرر الغضى! لم يكن ممكناً أن تتجاهل سر صدمة تلك...
وقف منصور وعائلته على شط البحيرة. وبجوارهم المركب الذي استأجروه. مياه البحيرة هادئة. والقمر بدر تنعكس أضواؤه على سطح البحيرة. انطلق بهم المركب فارداً قلوعه. قال منصور لصاحب المركب: الجزر كتيرة. لو لقينا واحدة شطّها ناعم. من غير صخور؟ ليه؟ الصخور تقطع شبك الصيد. وبعد ساعتين لمحوا جزيرة...
جلست إلى جوار النافذة. تتبعته وهو يفتح باب السيارة، ويأخذ مكانه خلف عجلة القيادة، ثم ينطلق في الشارع ويختفي. هكذا كل صباح في الساعة الثامنة تماماً يذهب ويتركها جالسة وحدها، هي والعروسة ظلت مستقرة على المقعد الهزاز منذ أن أحضرتها لها شقيقتها فاطمة. فكرت في أن تنقلها لتجلس أحياناً مكانها، لكن في...
يتحرك ظلها الرشيق فوق الجدار، يطول بخفة ويقصر، وضفيرة طويلة تطير في الهواء فوقه. في الذهاب يظل جانبها الأيسر يتقدم بخطوات ثابتة، تختفي فيها العين اليسرى الزجاجية في بؤرة تمتد لترتفع بأنف جميل وذقن تتكور تحته برهافة. في العودة يصبح الجانب الأيمن فوق الجدار نفسه، بعينه السليمة والجسد المتماسك على...
أعلى