سرد

بعد صلاة العشاء كانت خراطيم من الشتائم تتدفق بغزارة من فم عبدالكريم فتصيب آباء القرية وأمهاتها‏,‏ وتأخذ في طريقها الطنطاوي وأجداده‏.‏ والحكاية أن عبدالكريم ما كاد يخطف الأربع الركعات, حتي تسلل من الجامع ومضي في الزقاق الضيق وقد لف يده وراء ظهره وجعلها تطبق علي شقيقتها في ضيق وتبرم, وأحني صدره...
"بلاد ألفنــــاهــــا على كـل حــــالةٍ = وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن وتُستعذب الأرض التي لا هوى بها = ولا ماؤها عــــذب ولكنهــــا الوطن " شاعر مجهول عباس البحري خرج الريس من بين الصخور وجلا مرتعدا، رغم طوله وعرضه.. لكنها الحياة كلبة بنت كلب تمنح اللوز لمن لا أضراس له.. تقدم منا...
صخورٌ مهشمة، أسماك يابسة، جثث حيوانات مائية، نخيل متيبس، أوانٍ صدئة، بقايا هياكل عظمية لحيوانات نافقة، نفايات، أحذية عسكرية تقطنها سرطاناتٌ مخيفة، أيادٍ مفجوعة تمسك بعدد الحفر، وزوارق خشبية محطمة. ترى كم مرةً عَبَرتْ؟ ومَنْ حملتْ عند غرقها؟ كلها أضرحةٌ تؤكد موت النهر. المدينةُ ظمأى تبكي نهرها،...
تراصت التاكسيات الصفراء الأنيقة ومعظمها من ماركة هيلمان وكونسول وموسكوفيتش في طابور طويل أمام زنك الخضار في وسط الخرطوم انتظاراً لركاب بحري ممن يفضلون الطراحات، وجلس السواقين يحتسون الشاي والقهوة التي تجيد إعدادها (فطومه) يتجاذبون الحديث في هموم مهنتهم ثم يتناقشون في السياسة كالمعتاد، وهو طبق...
لاحقوني بعصيهم, بعدما اتهمتهم بموالاة شيوخهم وتصديق فتواهم المزيفة . أسرع مثل جرذ يبحث عن مكان للاختباء, كل البيوت مغلقة كأرحام فتيّة, ألمح الصليب الذهبي والشموع المضاءة, وأسمع الصلوات المتقنة, أدخل في هذه الكنيسة, أشعر بالأمان . أسمع حديثهم الحاد يكاد ينزلق على لحاهم المنفوشة: اتركوه.. إنه...
كنت قد انتهيت تواً من قراءة قـصة لـ” الضرير الذي رأى “، يتحدث فيها عن لقاء يتم بين بورخِس شاباً وبورخِس كهلاً، عندما أغلقت الكتاب وحملته بحرص وخرجت بقلق أبحث عني، لعلي التقيني كهلاً. أول ما خطر لي أن أفعله هو أن أقطع الشارع المؤدي إلى الـمتنـّزه لأجلس على أحد المقاعد الخشبية الـمنـتشرة فيه في...
… لم أرتَهنُ أبدا ً ذكرياتي لدفق ِ الأيام إلاّ في هذه اللحظة التي تتوالد ُ من دواخلي بدون ِ حَبل سرّي ، ولكن بمخاض ٍ ممضّ يشرأبُ من خلف المستحيل ، بلا أنفاس ، بلا لون ، وفي بقعة ٍ ما يأمُرني فأستجيبُ ثمَّ يمتهن ُ جُلَّ إرادتي في ملامسة ِ الحياة كلَّ يوم وفي كل ِّ اللحظات ، بالتفاريق ، وهكذا...
إلى العم الشاعر العراقي/ سعدي يوسف عند المغيب تصاعد الضباب فوق رصيف المقهى، والطرقات الباريسية، و (أروى) تجالس (سبأ الاسماعيلي) عند النافذة، يعتصرهما برد الشتاء تحت رائحة كلمات تحترق كالقهوة، يخبئان تيه الحكاية.. وتيه الغناء، تبرق عيناهما بردا كقناطر تلتسع بها المسافات.. وتختلط بأي اتجاه...
خاصم الكرى أجفانه ، لم يعد قادرا على النوم إلا لماما تتوالى الليالي على إيقاع رقاص الساعة... حالات يقظة تتخللها إغفاءات متقطعة يقوم متثاقلا شفتاه تخنقان أنين آلام تمزق جسده. يساعد رجليه على مغادرة السرير يرتعش جراء برودة الأرض و برودة جسده الهزيل وكيف له أن يشعر بالدفء بعد أن أصبح جسده مجرد هيكل...
حين صرّح القاضي بالحكم، سمعت صوته، كأنّه يأتيني من بعيد، كدت لا أصّدق ما تلاه :"حكمنا إبتدائيّا حضوريّا على المتّهم بالسّجن ثلاث سنوات من أجل ارتكابه لجريمة إشاعة أخبار زائفة و بثّ الفوضى وتعكير صفو النّظام العام . صدرت منّي التفاتة، وأنا أحاول استفسار ما سمعت ، إذ بعون يضع الكبل من حول يديّ،...
2/2 فوضى وشغب في مدرسة المعلمين … ومما زاد من تذمرنا الإرهاق الشديد الذي صرنا نعاني منه نتيجة كثافة مواد المقرر، وتحاضير الدروس التطبيقية يوميا، وتكهرب الجو داخل المدرسة وبين الصفوف بكيفية سريعة جدا، وأصبحت علامات العصيان والتمرد تتهيأ من تلقاء نفسها وتتجه إلى لحظة الانفجار الوشيكة الوقوع بين...
حيرة صادقة لطبيب في عيادة من آخر "موديل": استرسل شعر لحيتي في غيبة عني، وغارت العينان في المحجرين واليدان رعش. وضعت قلبي بين كفي. قطعة لكم حمراء تنبض قال الطبيب نبضا طبيعيا وأضاف حانقا متعجبا. قلوبكم كلها هكذا. تدخنون وتشربون الخمرة الرخيصة وتحملون كل هموم الدنيا وتكدحون..لكن نبض قلوبكم يبقى...
"الهدهد – نفعنا الله وإياكم بفضائل الإنسان والحيوان –كثير الفوائد خاصة قلبه وريشه ومصرانه وعينه ومنقاره وذنبه ودمه ومخالب رجليه ولسانه وجلده ودماغه … ماذا تبقى!؟ كل شيء فيه! وهكذا، وعلى سبيل المثال فقط، فإن عينه إذا علقها المرء الكثير النسيان ذكر ، وأكل قلبه نافع جدا للحفظ والذكاء ، وحمل منقاره...
عـثرة الحظ أوقعته في سؤال ما كان يتوقعه . رجل ثقيل يسأله من غير مناسبة عن معنى كلمة “خرساء” التي ابتدأ بها شاعر مجهول قصيدة . دون جدوى كان يتتبع حركة الشفاه السائلة: خرساء ، خرساء ، خرساء . فما التقط من الإيماءات إشارة . بعد لأي ، وحين كاد صبر السائل ينفد ، جاءه الفرج فردّ في حرج : خرساء من لا...
أعلى