سرد

ـ 1 ـ أستلقى على ظهرى . تتقاطع اليدان خلف الرأس ، أتأمل تكوينات النشع فى السقف ، وفى أعلى الجدران .. أحدثت الرطوبة نشعاً ، تقشر به طلاء الجدران عن أشكال ، صغيرة وكبيرة ، مستطيلة ، ومربعة ، ومستديرة ، ومفرطحة ، ومشرشرة ، ومتداخلة . أتصور الملامح والشخصيات والأحداث . تفاجئنى الأشكال...
قال عبد الله الصامت، المُغني الضرير، وزميلنا في قسم التاريخ، وهو واقف تحت ساعة جامعة القاهرة، التي أصبحت مختلة .. وعقاربها واقفة، وكنا في صباحٍ بارد من يناير الثامنة والستين: ـ لماذا لا تنصت في مثل هذا الجو البديع يا عبد الصادق إلى أغنية نجاة التي تتهادى إلى آذاننا من شارع بين السرايات...
يلح فى تغيير مكان اللقاء .. ربما ضاق بالنادل الذى يمر عليهما كل خمس دقائق ليسأل - أتريدان شيئا ؟ - هل كل شىء على مايرام ؟ ربما شعر بالسأم من أعين صاحب الكافيتيريا وهما تختلسان النظر إليها .. ربما يريد فى هذه اللحظة أن يختزنها تحت جلده ! أو يغلق عليها أزرار المعطف ثم لايفلتها فلاترى أحدا ولايقع...
كان لقائي بها محض صدفة ، رتبتها أقدار عشوائية .. ضمتنا جلسة دافئة في شقة صديقي مصطفى، ذات ليلة من ليالي نيروبي المضمخة بروائح الشاي ونكهة النعناع . كانت أنثى في لون النحاس البراق . ذهبية الخدود، عمانية الأبدان ، نجدية المقل .. قالت لي جدها من أطراف ممبسا، عربي الملامح ، جذوره هو الآخر تمتد إلى...
عانقتني آمنة..جاءت من اللامكان قدرا محتوما.. ألصقت جسدها الأربعيني المكتنز.. بجسدي النحيل.. ثم أفلتتني مانحة إياي نظرة ميتة.. ودمعة حزينة.. صمتت جنبات الحي وتصلبت أزقته.. فقد اختارت «آمنة البعاتية» الراحل القادم.. وتحدث الأسطورة انّا.. حينما كنا صغارا.. صغارا.. كانت آمنة أشهى بنات الحي.. تلقفتها...
أتتني زرقاء اليمامة محذرة حين غِرة فأخبرتني بما رأته همسا ولما صحوت لم أدر أكان حلما هذا أم يقظة حينها تدثرت بصمتي ثلاثاً فاحتشد أناسٌ من كل فج عميق جموع كثيرة من شتى انحاءِ المدينة؛ أحياءها البعيدة والمجاورة، جيرتي و عشيرتي أحبائي وأعدائي و الشامتين؛ تهامسوا تناجَوا وأختلقوا الأقاويل كلٌ يتحدثُ...
الساعة الآن تمام الثالثة و النصف صباحا ، انا الان في أحد مشافي الخرطوم ، انظر عبر نافذة الغرفة رقم 7 إلى اتساع الظلام بين أزقة الحي الهاجعة حول المشفى . الان هذه غرفتي وحدي ، إلى حد ما تشبه غرفتي تلك في المشفى الاردني قبل عام من الان ولسخرية القدر كانت تحمل الرقم 77 . . . هل علي ان اتشاءم من...
الطريق كالح بتُرابه . الغبار مُعلقٌ في السماء والشمس رفيقة الأسى تلفظ فينا غضباً بلا مُبرر. بدأتُ يومي أصعد وأهبِط دون جدوى ولم أنجز إلا القليل . تصببتُ عرقاً وجفَّ حلقي . قلتُ لنفسي : ـ هنالك مظلة تقي من الحر و تفوح من جوف المكان ضحكات مُجلجِلات . قدْ استرِح بعضاً من الوقت ، فالمواعيد اللاحقة...
( 1 ) " براون " . . ماذا تريد ، بعد ، من هذه الدنيا . . ؟ كان يسأل نفسه هذا السؤال كل صباح تشرق فيه الشمس خلبا في ضاحية "صري" ، إلى الغرب من لندن ، فلا يكاد يستجلي الإجابة الشافية ، التي تطفيء نار التطلع و الإكتشاف . اليوم بداية عطلة الأسبوع . يعرف أن إبنه " كريس " - كعادته - سيمضى ليلته بعيدا...
كان الشَرَطِيُّ النحيف، الشاب، الذي يَقَدِّرَ عمره كل عام "بعدة سنوات" منذ ان تجند في الشرطة وهو في عمر الخامسة عشر، يقف في المسافة القانونية التي اوصاه بها القاضي التقي ود كُشيب، و المقصود هنا مولانا حسن النوراني ود كشيب، وكشيب في مُخيلة سكان غرب السودان تعني المريسة، وهي مشروب ريفي لذيذ...
رائحة البخور الهندي التي تكلّل كل شيء تكاد تكون الملمح الوحيد الذي ينتمي لأيام طفولتي ، وتقذفني به ذاكرتي الشمية من وقت لآخر. الرائحة التي تهدهدني كلما اجتزتُ مدخل بيتي الأبيض المغمور بضوء النهار الذي يتجمع عبر كوّةٍ مكشوفة في السقف في منتصف المدخل تماماً، ثم يتفرّق فوق رأس تمثال خزفي لرجل عارٍ...
جاء الشتاء دون سابق إنذار، أخلف مواعيده، واختار يوما كنت متخففا فيه من كل شيء لأنني أكره ثقل الصيف وألجأ فيه إلى الهرب حتى من الذكريات، التي تصبح في غاية اللزوجة وتختلط بالعرق والأتربة فتولد لديّ الكآبة والحزن، أكره في الصيف حاجتي للاستغناء حتى عن دمائي فهي تلهب وريدي، أبحث الآن عن ذلك اللهيب...
(1) وقف عصفور النار على الخط الملتهب بين الأفقين وراح يزقزق طويلا طويلا. كان هناك جمع غفير من البشر يجوب الأفق الشفقى الدامى ويردد تراتيل خافتة على رائحة البخور المحترق، بينما وقفتُ وحيدا، وعاريا على الجانب الآخر من الأفق المظلم أشاهد جنازتى. ولما رأى العصفور خطرا يخيم على الناحيتين، تشبث بموقعه...
نزل الصمت فجأة منذ أن أسال اللون الرمادي في الخارج وأغرق الدنيا حتي توغل الليل بظلمته وسكونه. أرهف أذنيه محاولا أن يعرف في أي مكان يوجد زميلاه. لا يدري هل أخذوهما إلي المكتب أم لا.. خطر له أن يصيح ليناديهما لكن الصمت الليلي العميق سيفضح نداءه. هذه الجدران ت فوح منها رائحة التراب والجفاف وتفصله...
أعلى