جارتنا التي كنت أحبها قديماً .. أدس لها الرسائل في كرسي المصعد .. أرقب وجنتيها المحمرتين وضفائرها المرتعشة وبسمتها الخجلى ، وهي تختلس النظر إلي ظلي المختبئ خلف الزجاج المصنفر لباب مسكننا . وكنت أعدو طائراً إلى الداخل بينما صوت جرس باب مسكنها الحاد- وهي تضغط على زره بلا توقف- يغرد في أذني ...
الإهـداء : إلى الصديـق القاص أحمد بوزفـور
للذكرى، ذكرى أيام رعب وعسف
ورياح عاصفة من أيـام الصحراء.
ترددت وصيته مثل الصدى وهو ينطقها، وتراءت لي صورته الشاحبة في اللحظة التي كان يحتضر، مشيرا إلى الأفق، مازلت أتذكر كيف علق عينيه في فضاء الغرفة وحدق بإمعان... كان واضحا أنه يتذكر، يسترجع الزمن الخائب...
رجل وكلب يلتقيان ذات غروب . رجل أنيق وكلب أنيق أيضا. سيماء الرجل تشي بورع لا يعوزه البرهان ، والكلب يخفي وراء بياضه اللازوردي المنقّط بالسواد أكثر من سر . من البيت إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت هكذا انغلقت دائرة الرجل. والحياة ، بعنفها وصخبها ، كانت بالنسبة إليه في مكان آخر . فخارج محيط الزهد...
موسم الهتك والعبور. وقت لجنازة البحر. يتحول الماء إلى تابوت أزرق. ترحل القوارب، فلا ترجع إلا بقايا أخشاب طافية. يهدر الموج. يتمدد الزبد كفنا أبيض.. رغوا لتخثر الشروخ في القبر الكبير. يلهث غبش الصبح. تتـفجع النوارس. يرحل الصيادون وتحلق الغربان...
الهواري عاشق الماء والمرح. يركب الموج، لا يخيفه...
الحمد لله، اليوم انجزت عمل عظيم، فتحت حساب في الفيس بوك… والله وأصبح لي حساب بإسمي.. مرزوق… ما أحلى الإسم ، كيف ظهر على الشاشة .. مرزوووق…، وطبعا لو أخبرت والدي سيغضب أو يضحك، دائما والدي غريب الطباع ، مرة يقول لي وهو يضحك – أنت اهبل ياولدي.. الله يصلحك –، ومرة يقول لي – أنت عبقري … فقط استمر...
(60)
بدأت عمليات طلاء الجدران السنوية استعداداًَ للفصل الدراسى القادم واستغلالا لخلو الأبشجيتى من الطلاب. سألتنى القومندانة إذا كنت سأسافر مثل الآخرين. أجبت بالنفى. طلبت منى إخلاء الحجرة لدهانها وعرضت على غرفة أخرى فى مواجهتها تستخدم مخزنا. كانت صغيرة بلا نوافذ وبفراش واحد. تعثرت فى درجة سلم...
قصة قصيرة (مفارقتان ) ياسين رفاعية
جلست في المقعد المجاور لمقعدي في الطائرة، التفت نحوها فإذا بها فتاة جميلة في
العشرينات من عمرها، أخرجت مرآة صغيرة من محفظتها ومشطاً صغيراً سرّحت به شعرها، ثم أخرجت أحمر شفاه وخضبت به شفتيها، كانت تتحرك إلى جانبي بنزق ظاهر ، ما أن بدأت الطائرة بالتحليق نحو...
تطامن القلم بين أنامل الصحفية الشابة الحسناء، وداهمتها خيبة أمل طاغية وهي تحاور الأديب الذي رد على أسئلتها بطريقه الخاصة، فكان الحوار بينهما مثل (حوار الطرشان).
– ولدت أيام (الثلجة الكبيرة) التي ما تزال الطرق والمنافذ حتى الآن.
* ولكن يا أستاذ..
– ولدت على يدي الداية بهية التي شدتني عنوة...
نصف مثقف، وربع سياسي، و(نسونجي) متقاعد هذا أنا..
أما لماذا، نصف مثقف، فلأنني انصرفت عن كتب الثقافة والمعرفة بعد أن اكتشفت أن ما طالعت منها، على كثرته، لم يضف شيئاً إلى ماكنت قد قرأته في إلياذة هوميروس.
أما لماذا، ربع سياسي، فلأنني بدأت النضال السياسي مبكراً وهجرته مبكراً.. بدأت من مقاعد...
(تعالى يا حبيبي تعالى فإن جواز السفر قفطان
معا اذا وضعنا رجلا في البحر فسينشق الى اثنين)*
لم تكن فاظْما أنْ حدُّو تدرك بأن هذا ال 'إيزري' الحزين، الذي رددته بكامل عفويتها، في "أزْقاق"، بأحد أعراس قرى الريف، مخاطبة في الواقع حبيبها لثنيه عن الرحيل، سيكون من بين تلك الأشعار الخارقة والجميلة التي...
أتكون محض مصادفة غربية إنني التقيت به, الآن, في نفس المكان الذي شاهدته فيه أول مرة؟
لقد كان مقرفصاً هناك؟ كأنه لم يزل كذلك حتى اليوم: بشعره الأسود الخشن, وعينيه اللامعتين ببريق رغبة يائسة, منكباً على صندوقه الخشبي يحدق إلى لمعان حذاء باذخ..لقد استطاعت صورته أن تحفر في عظم رأسي قبل عام واحد...
السبت، الثالث عشر من حزيران، أصحو من نومي، كعادتي، في الخامسة. أصنع النسكفيه وأجلس على الشرفة لأستمتع بهدوء الصباح. كل شيء هادئ، وهذا أفضل شيء للمناسبة: سأبدأ عاماً جديداً، فقد أنهيت خمسة وخمسين عاماً. ياه لقد مرت، هل أقول بسرعة؟ لن يكون رأيي علمياً، فثمة ما مر منها سريعاً وثمة ما مر منها بطيئاً...
آخر من شاهد الإله المتوطن، إِله الأنوفلس (الذي اعتبر حتى وقت قريب منقرضاً) طيار طائرة إبادة بعوض الملاريا التابعة لمديرية الصحة الوقائية. كان عائداً من الأهوار الشرقية القصية إلى مدرج طائرته في مركز محافظة ميسان، فلاحظ من ارتفاع (300) قدم غمامة كثيفة تتصاعد من مستنقع محاط بالبردي والقصب. خصصت...
لكنه كان يلتجىء الى مصيره هو ، ذلك الالتجاء الذي كان يحوّل جميع ضروب الصراعات أمامه والتناقضات الى معايير للنطق والحكم على مرحلة استلهام القتل وخيالاته . كان يتخلص من خوفه الداخلي في النظر الى هذه القوى باعتبارها قوى زائلة .. طارئة ، ستلملم ذات يوم رصاصاتها وتحرق أوراقها وتختفي خلف ألوان وجدران...
قلت لكلكامش.. أيها السيد العظيم.. هل تعلم إن كل ما حدث على الأرض كان بسببك؟
انتصب واقفا وقفته وراح يرمقني بنظرةٍ حادةٍ كتلك النظرة التي تمكن من خلالها من صيد البراري.. النظرة التي جعلته يرى كل شيء في مملكته.. ولأنه مسكونٌ بالعظَمة، لم ينتبه الى حديثي .. فرفع يده الى الأعلى وراح يلوح للآخرين...