سرد

خرج القائم مقام بعد منتصف الليلة القمراء متنكراً كعادته، دلف إلى دهليز الجواري وتحصّن بين بابين ضيقين، يحرسه عبده تيمور.. يكش ذباب المتطفلين ويعتبر المنطقة محرّمة على العامة .. ألصق القائم مقام أذنه وخده الحار بالجدار فتسربت كلمات تلك الشمطاء، عارية متأوهة أشعلت الحرائق في ثيابه ..مسح قطرات...
لم يكن غجريا، ولم أكن راقصة فلامنكو، ولكنه كان يعزف على جيتاره، ويغني جورج براسانس بلهفة غجري يعبر بعزفه المدن والقرى والكهوف والغابات باتجاه المجهول. وكنت أستمع إليه بحرارة راقصة فلامنكو، ترتدي فستانا بتنورة واسعة وألوان زاهية. تعلن احتفاء صاخبا بالحياة. ترقص... ترقص بكل جسدها، وتضرب بكعبها...
في مساء يوم حار من تموز، توجه الفتى البورجوازي الصغير مع صديقه إلى كورنيش المنارة في بيروت. شرب الفتى وصديقه البيرة حتى ثملا. بعد جلوسهما على أحد المقاعد لاحظا شابة متشردة محجبة، لها ساق واحدة، تجلس قبالتهما على الرصيف إلى جانب كرسيها المتحرك. كان بعض المارة يقتربون منها لشراء العلكة، لكن...
ثلاثة رجال منفيون متقاربو الأعمار وقد تخطوا الخمسين. اعتادوا السير معاً كسرب صغير بعيداً عن الأسراب كلها ، يعيدون كل يوم تقريباً تجوالهم في شوارع أودفالا. يدخلون محلاتها الكبيرة ، يعلقون على الأسعار وأحياناً ينخرطون بنقاشات حامية وقصيرة مع الباعة بلغتهم السويدية الملفقة المهشمة والمعدومة تقريباً...
(فصل من رواية محتملة!) - أنت ولد فاشل! .. تتنقّل من فشلٍ إلى فشل.. والله لقد غسلتُ يديّ منك وإلى الأبد.. كان أبي يفرك كفّاً بكفٍّ بعصبية بالغة وصبر نافد. وهو يواجهني بنظراته الحادة ويصرخ في وجهي بكلماته الغاضبة تلك. وأمي تستعطفنا بنظرات منكسرة وبعينين دامعتين.. وتتمتم بعبارات الدعاء لتمر...
رائحة الدفلى تسري ، أنا لا أحب هذه الرائحة، لا أحب الأزهار في هذه الشوارع المقفلة على العوائل ، أنا لا أحب الدفلى و الأغاني ، أنا أذهب بين الإغصان والليل والحدائق والسواقي المنتظرة ، أنا ابحث عنك ، وعندما أرى ذلك الوجه الصيفي اللعين ، أختبيء كما لو كنت أحمل مخدرات و أسلحة ممنوعة ، لايعرف الناس...
في أول نوفمبر وصلت إلى هيئة تحرير باب "فسر أحلامك" بجريدة النور اليومية ذائعة الانتشار رسالة من أحد القراء يروي فيها حلمه. كان كابوساً شديد الوطأة. استفاض القارئ الكريم في شرحه مستعينا بتعبيرات أدبية غريبة مثل "مهول" و "انهيار" و "دبيب غامض" و "حيثما أريد الهواء لا أجده" . شيء وحيد نقص الرسالة...
الفصل الأول من حسن الحظ أن الكُتّاب غير مجبرين على أخذ الموافقة من الشخصيات الحيّة التي يرغبون في الاشتغال عليها وإلا فإن عبدو المسعوف ما كان ليقبل أن تُختزل الأبعاد الغنية لشخصيته الفذّة في قصة قصيرة. حتى ولو طالت هذه القصة لتتجاوز العشر صفحات. لأن المسألة مسألة مبدأ كما يكرر الرفيق عبدو دائما...
في الطريق ميّز فتاةً سمراء، شعرها أسود كثير التجعيد. قبل ثلاث سنوات أو أربع، خرج معها في موعد يتيم. بعدما تبادلا حديثاً قصيراً، طلبت منه رقم هاتفه المحمول. أعطته رقمها، وذكّرته باسمها الذي لم يكن قد نسيه على الإطلاق. قبل أن تغادر، قالت له: "اتصل بي". بعد يومين، شربا البيرة في أحد المقاهي. تحدثا...
“كانت إرادتي هي وحدها التي تتلقى الضربات وتردها نظرات غاضبة وصمتًا. وظللت كذلك. لم أرهب، لم أتراجع” شرق المتوسط – عبد الرحمن منيف وصلت إلى البيت متأخرا، وقد رحل النهار، وغسق الليل، وأطلقت المصابيح ألسنة نورها، تنفخ في العتمة فتميد، حين أدرت المفتاح في ثقب الباب، انفتح بسهولة، وجدتهم...
تمهيد إلى صديقيَّ الرائعين، نيقولاي وخورخي، تذكارًا عن أيامنا سوية، عن صداقتنا التي مدت أذرُع الحب لعمق سبعين عامًا ويزيد. معك، نيقولاي ڤاسيليڤتش، تذكرت قرية ديكانكا، سقوف بيوتها المرصوفة بالقرميد الأحمر، عسلها الملون بماء الشمس وعصير الذهب، دِنان الخمور بلونها الأصفر، وصديقك القندلفت وفمه...
استيقظ رعاةُ الماشية ذات صباح وهُم على تلك الأكمة المطلَّة على نهر دجلة من الجهة الغربية، من حافته المنحدرة في شدة قرب أطلالٍ لآثار لا يعرفون أصلها، فوجدوا سبعة بيوت من الحلان والفغش متلاحمة بعضها مع بعض. تساءل الرعاة: من أين أتت؟! متى بُنِيَتْ؟! لقد جاءوا إلى هذا المكان مساءً ولم تكن موجودة...
كان لوقفة سيارته تلك أمام باب حديقة الشهداء(*) ونزوله منها برفقة حفيده تأثير كبير على ذلك الوجه الذي زينته تجاعيد فعل العمر، وهو يدخل من الباب الخارجي للحديقة ندت عنه تنهيدة لهواء محتبس من سبعين ويزيد .. توقف وسطها وعيناه تقودان فؤاده حيث تشاء ذاكرته بين مساطب الخشب على جانبي الممرات الدائرية...
اسمي «خضّوب الزوبعة» وأنا كاتب قصص قصيرة، رفض المحررّون نشرها دونما سبب مفهوم، بعثتُ بها خارج بغداد عساني أرى اسمي يوماً في جريدة أو مجلة، فما تحقق حلمي في رؤية اسمي على أية قصة، برغم مرور عشرة أعوام وأنا أكتب دون يأس وبلا ملل.‏ توجعني كلمة (هُراء) التي سمعتها كثيراً بعد كل قصة أكتبها، كأنهم...
كنا نقف أمام حجرة غسل الموتى في الجناح الإسلامي من مقبرة استوكهولم، منهكين مخذولين نرتجف من البرد، وقد طال انتظارنا ليخرجوا بجثمان صديقنا لدفنه فيرتاح ونرتاح لخلاصه من عذاباته الكثيرة ، ومعاناته الطويلة مع السرطان. حتى لقد خيل لي وأنا أعرف نزق صديقنا الميت أنه سيفر من بين أيديهم ويخرج علينا...
أعلى