1
أغلقت سهير عينَيها في بطء، وهي تحاول بضعف ازدراد ريقها من حلقها الذي بدا كصحراء قاحلة، ثم فتحتهما في وهن؛ لتلقي نظرة رجاء وانكسار على وجه أبيها الذي يتطلع إليها بعينين تحملان نظرات خاوية، بليدة.
"ارحمني يابا.. أبوس إيدك".
بأحرف مهتزّة مبحوحة، ألقى لسانها المكبل بالآلام تلك الكلمات؛ لتخرج من...
تشكل الضوضاء العالية خلفية مزعجة اعتادتها أذني فلم تنتبه إليها إلا حين شذ نفير عال متصل أشعر أنه موجه لي أنا بالذات، فأسرع الخطى دون أن ألتفت لمصدره، وهكذا في خطوات سريعة واثقة أعبر الميدان كي أواجه مدخل المحطة الأرضية، وقبل أن ألتهم سلالم المحطة تمر عيني سريعًا على بائع الساعات، والمتسول ذي...
الطريق تنتزع مني بصري الطويل وتطيل امتداده باتجاه الخضرة والسهول، وأحس بأنفاسي تتلاحق، تود لو تتكاثر وتندمج انصهاراً مع جمال الطريق وروعة الصباح الربيعي، وكأن ذرات بيضاء يعلوها احمرار حيوي من الدم الساخن في الرئتين تتغنى بسرية التراب ذلك الغاطس في لوعة المطر الكامن في تلا فيف الانحناءات الشجرية...
منذ ثلاثة أيام لم يتصل ، جربت أن لا أراه في أحلامي، أنا المعتادة على سحبه إليَّ متى اردتُ أن احتمي به من نفسي،فيصوغ لي حياة متباه بها ،أعود بها طفلة تتسلق بها وجه حائط يفصلنا عن حديقة حلميه، تفيض بكل أنواع الطيور المتهادية مثنى مثنى، هو من يتسلق الجدار أولا، ثم يمد لي يداً تضج برجولتها لتشدني...
كما القطارات التي كتب لها طريق واحد لاتتعدى مساره ، كذلك يمضي العمر محملا برغباته المقهورة التي تموت اذ لاتلتقي ومحطات رسمها لها صاحبها ، وكذلك يسيركل شيء الا الانهار .
توهان في كل شيء يتحرك مثل ايد لم يكتمل قطعها وعيون ظلت وهي تراقب الحركات المحفورة للخوف .
تسير ساعات الياس صفيقة لادم فيها...
إلى روح القاص عبد الملك نوري
(1)
الفجر يتسلل، إلى الغرفة، عبر ثقب، في ستارة النافذة، ترى كم الوقت الآن!؟ ساعته، مخنوقة النبضات، تستكين تحت الوسادة، يشعر ببرودة قطعة المعدن والزجاج، في أصابعه، إذ يمسك بها، ويدنيها من عينيه. يرى خليطاً، من الإشارات المبهمة، أين العقارب اللعينة!؟
منذ بعض...
كان النهار قد انتصف ، حينما سحبتني جارتنا أم كريم من ذراعي لاصحبها في تنفيذ نيتها بزيارة دار( السيد نور) .. والسيد نور هذا هو احد المنتسبين الى نسل الرسول ، وبذلك فقد وهبته السماء القدرة على معرفة أسباب هموم الناس ، واعطاء الحلول الناجعة لمشاكلهم .. لقد كنت اسمع باستمرار من أم كريم ، المدمنة...
إهداء :
( صديقتي .. أنا صاحبُ همومي , فتحمّـليني .. فأنا .. لم تعد - الى الارض .. الى مكان الانفجار .. الى وطني - قطرة واحدة من دمي , حيث لا أملك شيئا فيه كما تعلمين , الا انني احبه , لكنه بخل علي حتى بقبر يلملم اشلائي .. رغم انني من قوم مؤمنين ازكى من ان يكون لهم قبر على الارض .. اعلم بان للنص...
أحمرار باهت يلون خد السماء ويحيط قمرا متدليا واضح التضاريس متعريا من كل الأشعار التي رسمته, كان يغازل شعفات الأشجار المتطاولة على أمتداد ألأفق ألذي أرى ,خمنت أنا الخارج من اللامكان والمأخوذ بهذا ألجذل الشهي, مفعم ألنقاء, بأن الوقت قد يكون غبشا أو قبيل ألأصيل, أحسست بهمس دافيء يحاور قدمي اللتين...
منذ اربعة اشهر ، لم يبارح المنزل ، ولم تسعفه جهود زوجته ، ظل غارقاً في صمته ، يسحق اعقاب السجائر حيثما تهبط أنامله، أستحضرت اقصى درجات الكيد، كي تحطم القيود وتنتزعه من عزلته ، وفشلت لمرات ان تلين عريكته لازاحة من على وجهه هذا الشعر البرونزي المتصالب ، وكلما تلتجأ الى أحد اصدقائه ، تجده غائباً...
في صفيحة تحوي ماء مغلي ، وضعت ( ام بدرية) قشور رمان وفجل وخرق اقمشة وردية للحصول على صبغة ، متعمدة في اختيارها لصفيحة طبع على جنباتها ،صورة راعي بالزي العربي وهو ينفخ في ناي وسط خرافه، تطابق ذلك الأختيار مع فال حسن صدقته ، صبغة وردية يغطس فيه حمل صغير اشترته في الربيع وهي تفكر بما سيوفره لها بعد...
كنا كاغصان شجيرة الدراق نحن الثلاثة ،لم نكن نفترق منذ خيط شعاع الشمس الاول،نتسلم نحن زمام هذه الارض بل وحتى السماء نتقاسم اطعام سكان المجرات القريبة من درب التبانة ،بانتظار غودو الراحل الذي لن يستفيق من نومته الابدية.
نفتعل الحروب في مشارق الارض ومغاربها ،ونحتسي كل الاكواب التي اوجدتها قريحة...
" أحسست أنني وقعت في شرك، وأردت أن أهرب وبذلت جهداً كبيراً في ذلك، لكن الوقت كان قد فات ولم يطاوعني جسدي واستسلمت لرؤية ما سيحدث كما إنه حدث لا يتعلق بي شخصياً " أرنستو ساباتو
في الساعة المضيئة الوحيدة من ذلك النهار الداكن، مات الحارس الراقد على لوح خشبي في عرض النهر من الجانب الأيمن المقابل...
طال وقوفه على الشاطئ, يتابع تهادي الزوارق و المراكب الشراعية فوق مياه الخليج الرقراقة, صفق الموج للصخور يطوِح برأسه, المثقلة بطنينٍ رهيب, في شباك تنسجها المرارة من حوله, يردد كلماتها المتحدية, صراخها المستفز في وجهه, بكاء طفلهما, الذي استيقظ مفزوعا من نومه قبل مغادرته للشقة, دون أن يدري مكانا...
تعتدل فى جلستها،ينكشف مزيد من صدرها المتاح من المفرق الى نهايته ،تقترب بصوتها الهامس من وجوه المشاركين فى جلستها :
- اريد ان اتزوج .
صاح صديقها دون ان يعتدل :
- وانا اريد ان اتزوج .
نظر اليها من يجلس معها لاول مرة بدعوة من صديقها ، قال وهو يشير بصوته باتجاه صدرها المكشوف .
- لن يرحب احد...