إلى زوجتي..
جدي الذي أسلم قفاه المتجعد لمعلم الحجامة ، لا يبالي بوجودي. أنا الواقف بجانبه حافي القدمين. وبيدي كتاب القراءة المفقود النصف. رأسه ساكن ومعلم الحجامة يتمتم بعد أن ثبت أنبوبي النحاس على قفا جدي. الذي يمد بصره في فراغ ساحة القرية المحاطة ببيوت واطئة من التراب المدكوك. وقد بدا عليه...
القطار يمضى، يشق ستار الليل، والمسافرون نيام، لاشئ هناك غير الصمت داخل العربات شحيحة الإضاءة، ورنين العجلات وهى تعزف لحنها الرتيب فوق القضبان، الذى يصل من الخارج ينبعث معه نشاط من الصور والذكريات .
كنت مرهقا، أحاول النعاس، ولكنى لا أستطيع، فأنا لا أ عرف الراحة أثناء السفر. أكون وحيدا، منضغطا...
نحن لا نفهم الأغاني جيداً، نظن أحياناً أن السبب هو إدماننا على الخمر، وأحياناً نشعر أن حياتنا لم تسمح لنا ــ للأسف ــ أن نفهم أيّ أغنية، لكن الأغاني تفهمنا جيداً، وهذا ما نشعرُ به كلّ ليلة، بعد أن نشرب كثيراً.
منذ المساء ونحن نشرب، شربنا كثيراً، أكثر من الليالي السابقة كلها، وأيضاً كعادتنا،...
الغجرية النحيلة، سمراء الوجه، تطوف الحارات، والشوارع المحيطة. تختفى أحيانا، ثم تعاود الظهور مرة أخرى بعد فترة طويلة، بالهيئة نفسها، والعمر نفسه تقريبا. خطوط الوشم خضراء، مطبوعة على الذقن، وجانبى وجهها الممصوص، السيجارة لاتفارق أصابعها، تمجها بشراهة مدمن عتيد. فى اليد الأخرى صرة صغيرة، داخلها...
صابر رشدي
2 h ·
كنت صبيا صغيرا، أتابع العالم بعينين مفتوحتين عن آخرهما، أريد التعرف على الأشياء، كل الأشياء. القراءة تفتح لى أبوابا كثيرة مغلقة، كتاب هذا الزمن يتحدثون عن عشقهم للموسيقى الكلاسيكية، يرددون أسماء لها وقع خاص، و بريق لاينطفئ : بيتهوفن. باخ . موزار. فرانز ليست. خاتشادوريان...
" العناد" هو ما أربك السير في مفترق مستشفى 7 أكتوبر وليس الزحام كما هي العادة دائما... الإشارة الضوئية مثلها مثلنا لا تعمل والرؤوس مقفلة.. لا أحد يقرر أن يتنازل وربما هذا ما جعلنا في المنحدر.. فلو فكر المتشابكون أن خطوةً إلى الوراء هي خلاصهم و خلاصنا من سطوة الشمس والانتظار ـ لما انتظرنا ـ...
نخلة بهية صافية في رأسها ريشة.
عاينت نجوم السماء وقالت :
- سأصطادك كلك وأرميك طعاما لحيتان البحر . كم أنا امرأة غيرى !!!.
قالت نجمة حزينة مشعّة:
- يا أختاه كوني معنا ، السماء شاسعة تتسع لنا جميعا.
قالت نجمة صغيرة:
- ما أشد غيرتك ، كم أنت سودواية القلب ! نحن كلنا نجوم السماء.
قالت نجمة...
لفت أنظاري ذلك العنوان (في نقد الأنطولوجيا ).. وما رأيت ناقداً
وكأنّ الكلّ أجمعوا على الموافقة بصواب كلّ تغييرٍ حدث في ذلك الموقع .. ونجاعة كلّ تبديل ارتأته الإدارة .. فلم يبق علينا إلا التصفيق .. ولم أجد تصفيقاً ولا مدحاً .. كمن يومئ بالرأس لمحاضرٍ جامعيّ يعطي ويستزيد .. نعم نعم أحسنت أيها...
إهداء
إلى أصدقاء قدامى، ذاكرة عتيقة.. وبوح قديم
(1)
أين تبدأ الذكريات و الأحلام، وأين ينتهي الواقع؟! وكيف ينهض كل هذا الشجن من بين ركام الماضي واللحظات الحائرة، في الراهن الملتبس؟
يتفرس عجبين خشم الموس الوجوه الأربعة التي يمر بها كل يوم في طريقه.. يتفرس موقعها في ذاكرته. يبحث عن هذا الموقع...
الدقائق التي تسبق الغروب، يعمه الاِرتباك، يستبد به خوف، يتقلص فيه اكثر من جانب، ويصل إلى هاوية الخذلان ، وكأنه يودع شيئاً عزيزاً مبهما. يسارع إلى مقهاه المفضل حيث يتوسط شارع الأطباء، ليرقب كل حركة، ويتفحص كل خلجة، ويحلل كل صوت..
سيارات وزعيق ومرضى ، رجل مجنون يرمي الزبد من فمه، قدح شاي لم يزل...
وهو يقطع ذلك الطريق الجبلي الوعر في تلك الظلمة الدامسة، كان يلعن كل التاريخ الذي عاشه. وقواه المشحونة بالنقمة و الغضب، كانت تفتح خطواته لأقاصيها لتمر الأرض تحت رجليه سراعا لحد كان يتساءل معه ما إن كان حقا يمشي أم يطير.
ما كان ممكنا في ذلك الليل الشتوي ان يسمع غير صفير الريح وهو يتحدى نفسه باحثا...
نعم ..كان يتقلّب في فراشه ولن يخلد إلى النوم بسهولة ..
يتوسّد مخدّته ذات اليمين وذات الشمال فيحتفر فيها أودية ونهوداً ،ويغمض جفنيه قسراً فلا يلتصقا ..ويشهر طرفه السفليّ من تحت اللحاف كرأس السلحفاة المتوجّسة فيلدغه البرد ليعود إلى إغماده في قوقعة طرية من الأغطية السميكة ..لا دفء في سريره يستدعي...
كل يوم يحير بهما … لا يعرف أين يضعهما وهو ينام .. أيشبكهما على بطنه كمن يصلي، أم يضعهما تحت رأسه، من الخلف، أم يعقدهما على جبهته ………. أتحت اللحاف أم فوقه .. أيسبلهما على جنبيه ؟ أيكتفهما فوق صدره ؟ يضايقه هذان الوجودان الأفعوانيان اللذان يلتفان عليه في الليل، ولا يعرف أين أو كيف يتخلص منهما ………...
الليلةَ عازفي حزين. سَوّى أوتاره على نغمات متجذرة الأسى، صَباهُ والنَّهاوَنْد.. وَشَدَّ وثاقي بإحكام لطقس يسود هذا الفضاء الذي لا يبدو أنه صانعه. لم أعترض على اختياره ولم ألمّح له بذلك، إذ تهيأ لي أنني في انسياب عفوي مع كل شيء حزين. لحناً، موقفا، إحساسا وانفعالا وتفاعلا. وكأن الجدوى، أنت حزين...