قصة قصيرة

حمل الحاج والي البندقية علي كتفه ووارب الباب, ثم أطل برأسه , ينظر الطريق و قتامة الليل , تسلل علي أطراف أصابعه, مضي في الحواري , والدنيا كحل , يتلصص حواليه , يرهف السمع إلي أنفاس وخلجات أهالي " بهتيم " , خلف جدران البيوت , يلقي قطعا من لحم حسن الحوفي , الذي مزق بدنه أشلاء , للكلاب التي تنبح في...
جارى الذي غاب سنة وراء سنة , عاد الليلة في سيارة " بيجو " فاخرة , فجاءت زوجته - التي كنت اقرأ لها خطاباته وأكتب له خطاباتها - تدق باب شقتنا , ترتدي الروب الأحمر- الذي طالما خلعته أمامي , في غرفة نومها , عندما أتسلل إليها - في أنصاف الليالي- تدعونا , نفض الحقائب والكراتين معهم, وكانت نظيفة ...
انحسر الضوء , وسقط الظل أمام القهوة , امتد إلى أرجل الدكة المتهالكة , التي يقعد فوقها المعلم" عوض" صاحب القهوة, التي ورثها عن أبيه المعلم" زهران", الذي مات على أثر تناوله " نص قرش" من الحشيش البني. كان المعلم عوض يتأمل من مكانه ,الذي يطل على شارع الجامع الكبير:الكهارب والزينات والفراشين وهم...
عند جامع البكري , الذي يقع علي أطراف القرية , في الوقت بين المغرب والعشاء , كان الأولاد – الصبيان والبنات – يلعبون ألعاب الليل لا النهار , يثيرون التراب والغبار خلف أقدامهم , وهم يركضون هنا وهناك , يختبئون فرادي في الغيطان – وسط كثافة الظلمة ونقنقة الضفادع وهسيس المزارع – وخلف أسوار الدور...
صحت فاطمة من النوم مفزوعة , والدم الساخن يتدفق لزجا بين اكتناز وبضاضة فخذيها . وكانت الحجرة معتمة . بحذر انسلخت من بين الأخوة المبعثرين حولها , ورجت جسم أمها المفرطح رجا قويا , وقالت : " أمه , أنت يا أمه , الله , ما تصح يا وليه " حينذاك كانت سيارة دفن الموتى, وسط طابور من السيارات , تدخل القرية...
جدتي لأبى فاطمة ماتت , وهى تلد عمى فهيم الذي يكبرني بأربعين عاما , فظل جدي لأبى شتاءين وصيفا , يجوب قريتنا " دمهوج " كل يوم , من شقشقة النهار إلى ما بعد آذان العشاء بساعات , من ترعة الخضراوية إلى مقام الشيخ درويش وجامع البسيوني وطاحونة أبو الحسين , وهو يحمل عمى فهيم في خرقه بالية على ذراعيه حينا...
مطرود ذليل مهان , غادر زينهم الفرن , مضطرب ومشوش الذهن , يشعر بالاختناق , ينزف حزنا وخجلا ومرارة , تترسب في حلقه , وتكاد تسد منافذ الهواء عن رئتيه , تتردد في رأسه الكلمات التي هوت , بمثابة صفعة قوية , شملته برعدة ورجفة : - الفجر ادن يا عبد , قوم بقى هوينا . عندما مال صبري العجان عليه , رماه...
لحظات وتغادر الفراش .. دقـائق وتغادر البيت .. الساعة الآن تجـاوزت التـاسعة .. إلى أيـن ؟ ليس مهما ، مـع من ؟ ليس مهما . " رشـا في حـاجة الآن إلى فنجـان قهـوة على الريحة أو كبـاية شـاي سـكر خفـيف " غـرفة عـطنة ، شـرفة متربة ، سـتائر متربة ، وسـائد متربة ، سجـادة متربة ، مرآة وتسريحة متربة، منضدة...
( حينَ عرضَ بيلاطس يسوع الناصري بحالته التعسه على اليهود بعد أن جُلد و كُلل بالشوكِ لعلهم يرقونَ له و يطلقونَ سراحه و كأنه يقول لهم : انظروا…. كم أنزلتُ به من انواع المهانة عسى ان ترقَّ قلوبُكم اليه ، ولكنهم زادوا قساوةَ و صراخا .. إصلبه .. إصلبهُ .. ) ( يوحنا 19 : 6 ) (1) … كان على الرجل ذو...
تمسد الجسد المسجي أمامها, تمرر يديها عليه جيئة وذهابا, تنصهر بكيانها داخله, تقبل مواضع الشعر الذى سقط ولم يبق منه سوى القليل... العينان الغائرتان أغمضتا للأبد, لكم كانتا آبارا عميقة ترتشف منهما خبرة السنين, وتبصر بهما الوجود, تحتضن الجسد وتتمنى لو تتجمد اللحظة ويتوقف الزمن حتى تفتح هاتان...
أشياء تدحرج نفسها وأشياء تصطدم بأشياء واهنة أو أقل منها قوة، أحيانا تقف إلا أنها في نهاية المطاف تستقبلها هاوية عميقة.. تتدحرج.. وتتدحرج.! بين طنين الذباب وأزيز الصراصر ومواء القط وسقوط قطع الوزن وصراخ ( السيد ) الذي يشرف على الهاوية، كنت أتأملها، شاة هرمة، باستمرار، من تحت عباءتها القذرة ونظرات...
أستطيع أن أقول إنني كنت الولد المدلل صاحب اللثغة المحببة للجميع، اليوم أنا صاحب الخيال الجامح، والشطحات، والرسومات الساخرة لأشخاص العائلة، قلت في نهار شتوي وأنا ممتليء بالحماس أبدأ بعمتي، حبى الشديد لها، وقطع الشيكولاته، وحكايات "الغول والأقزام السبعة" لم يمنعوني عن رسمتها بأنف عظيم يسع كمية...
صـورة زاهيـة رسمها جدي في عودته من (البلد) وهي الكلمة الوحيدة التي تعني مركز مروي وقراها التي له في كل واحدة منها عم أو خال وحتى جد, كنا نسأله بشغف وتأتينا منه الأجوبة في استحسان واستملاح لكل ما بالبلد ما كان يشابهه في قصصه سوى روايته عن رحلته لحج بيت الله الحرام, مما كان يدفعنا وبقوة للتوسل...
السماء الصيفية تقترب مني وتدلق على عينيّ طفولتي المخباة في النجوم. هربا من حر سنواتي الصاعد معي الى سطح الدار ، استقبل الطفولة الهزيلة واهمل تاففات زوجتي التي ستنام مرغمة تحت رطوبة لزجة. ترنيمة دامعة تتسرب من خلال الرطوبة .. ترنيمة من صوت نسائي ثقبته نصال المرض فسال منه الانين نارا لاسعة...
وقت بزوغ الفجر، اشتد المطر فجأة. مضطرباً. عاصفاً. كان الفيضان يزأر مندفعاً، كمجموعة أحصنة برية مرعوبة، تنطلق بجنون راكضة من وادٍ جبليّ، مندفعة بقوة لا تقاوم. استيقظ موقع العمل مذعوراً. تقلّب الناس ونزلوا من فراشهم، ولكن أرجلهم غمرها الماء. صرخ أحدهم مرعوباً، فتزاحم أكثر من مائة شخص مندفعين ناحية...
أعلى