ذات صباح عاد الزين عبد العاطي إلى القرية، بعد سنوات طويلة من موته في تلك الأمسية القائظة التي واجه فيها الموت وحيداً ومحنقاً بسبب الإنهيار الوشيك لأكثر أحلامه شفافية. ففي الليلة التي سبقت موته، كان قد أكمل كل استعدادته من أجل حياة جديدة أقل سأماً، دون أن يهمل حتى أقل التفاصيل الدقيقة أهمية...
قالت له عزيزة:
ـ منذ شهرين تركتُ التمثيل في مسرح قصر الثقافة بعد أن تحرش المخرج خالد بي، ونحن في حافلة القصر في طريقنا إلى الإسماعيلية .. لمشاهدة عرض مسرحي له.
قال وهو يكاد ينتفض غضباً:
ـ كيف؟
قالت وهي تنظر إلى عينيه لترى أثر كلماتها:
ـ كان يلتصق بي! .. أحسستُ به كالمراهقين...
استمعت إلى الأغنية مرة وحيدة أمام الطاولة الرخامية ، تعلوها قدرة الفول ومقلاة الفلافل . وثمة مائدتان صغيرتان لصق الجدار المواجه ، يحيط بهما ثمانية مقاعد ، وفوق الرف المثبت فى نهاية المكان جهاز راديو ، تتناهى منه أغنية عبد الحليم حافظ :
يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا اسمر
لم تكن هذه هى...
في عز هذا الليل البهيم، انفلتت من هذه الضوضاء و هذا الضوء المزيف الذي رصع حفل الجميع.. شعرت بتخلصها من درن نفسي كانت ترتديه فستان سهرة بوصفها امرأة خاطوا لها معايير الجمال والقد والقوام.
الشارع فسيح وخالٍ. ربما عيون ذئاب جائعة تتربص القمامات والطرائد الشاردة. لكنها السماء التي اغتسلت بنجوم من...
- أحقاً أنت من قبيلة الزغاوة القريبة من بحيرة تشاد؟ سألت العجوز عندما صار رفيقها في السفر تحت ضوء القمر.
من غير أن يجيب، ردّ عنه القماش الذي كان يغطّي وجهه وصدره فانكشفت أمام العجوز عضلات عظيمة تحت جلد غامق لعربيّ مولود في أفريقيا. وانكشفت أيضاً علامة مقدّسة على جبينه لا تُمنَح إلا لرسُلٍ لهم...
الى عبد العزيز جاسم ....
- الدببة المتوحشة الفاتنة المولودة
يوم الحرب بالذات ... تنطق
بامنيات بريئة -
رسالة نسبت لاحد ابناء مدينتنا الذي مات في ظروف غامضة قيل انه
•- رسالة اسرار ومفارقات !.......
او كان سقوطها في احد مكاتب بريد مدينتنا صدفة ... حيث لم يستطع سعاة البريد من...
منذ طفولتنا المبكرة.. عودنا أهلنا ومعلمينا أن رفع الأصابع.. يعني طلب الأشادة والامتنان والتأكيد على الرأي، وليس الأعتراض عليه أو تقديم رأي مختلف عن سابقه ..الأصبع الأولى، أصبع تأكيد لمن سبقنا عمراً وعلماً وتجربة.. واصبعنا المرفوع هو من طبع الوفاء والأخلاق الحميدة .أما الأصبع الثانية، فهي اصبع...
كطيفِ حبيبةٍ غابر، أو كحالة عشق تتلبّسك زمناً ثم تتلاشى، فيما تحاول جاهداً أن تستعِيدها من بقايا ذاكِرةٍ بعيدة؛ تبدو كسلا مدينة الشغفِ الزاهر الجميل، كحورية تحرّشت بها أمواج عاتية فَلَفظتها على يابسة محبوسة بين جبلين على ضفة نهرٍ مُتمردٍ وغدّار؛ حورية برشاقة غزلان براري القاش الخصيب، تربعت على...
تماماً ، وسط المقبرة القديمة ، على حافة الليل المتهادي فوق كاهل الأموات ، والهدير الأملس للريح الضجرة في لج البؤس .. كانت ضربات معول “السيد” ، وهي تثقب الأرض ، تتخلق نظاماً موسيقياً صارماً.. يشبه ، فعلاً ، نبض ضبع جائع لم يعرف الرعب إلي قلبه سبيل ، أو كخفقان ساعات القدر الحثيثة المؤقتة للقيامة...
تمددت مساحة الفراق وسيطرت عنوة علي مشاعر بيت السيدة العجوز, التي بدت وكأنها قد كبرت أضعاف عمرها بعد أن غاب ولدها البكر( سعد) في فوضي الحرب, غاب من دون موت, أو مات من دون جثمان وقبر.. تلاشي تماما ولكنه ترك خلفه ذكري حزينة وانتظار ثقيل..
بعد ان انقطعت أخبار( سعد) وانطفأت أضواؤه في مسرح...
لم نكن نعرف ونحن صغار, في بلدتنا الكائنة هناك علي رافد النهر, من اين جاءت هذه المرأة ـ الست دميانة, فلم تكن لها عائلة أو بيت تنتمي إليه مثل كل أهل البلدة, ولم نكن نعرف عنها سوي اسمها, وانها تسللت ذات ليلة, وراقت لها الحياة.
فواصلت.. تحمل فوق رأسها كرتونة مملوءة باللب والسوداني...
الرائحة الغريبة التي تحملها العواصف الشمالية تنشرها في الصحراء تنفر منها اشعة الشمس التي تميل للغروب في وهن, الرائحة الغريبة تجتاح الدار التي تاوي الفتي من أهوال الصحراء.
منذ ان هبط علي الرمال من رحم أمه لم يستطع ان يسد الفتحات الضيقة في الجدار امام تياراتها الشديدة فتقتحم أنفه ويضيق نفسه حتي...
تلوح له كالحلم.. كالطيف.. كنسمة منعشة.. كالفرح المباغت.. طيبة وطيعة ورقيقة.. تغمره بالحنان.. تغرس الزهور في حدائق أيامه.. ما أسرع انتشارها في نفسه.. مثل العبق في ليالي البهجة..
يحلو له الهرب من صخب العمل والمسئوليات الملقاة علي عاتقه.. يتمدد ويتمطي.. يدخل حيث الأمسيات...
أري في تدفق الحشود علي أرصفة المترو؛ احتدام العناصر تحت الأرض، تفجر الينابيع الحالمة بالجريان، احتشاد النمل لنقل كنوز مخبوءة، ومن قلب هذه الحشود الفوارة عبر الجهات الأربع؛ أراها تتابع رقصها الأبدي نحو اللانهائي.
وعلي حين بغتة، ضرب نيزك هائج حافة الأرض، فاختل إيقاع الرقص، ففتح في جدار المترو ممرا...
دقت الساعة السابعة صباحاً. أستيقظت وفاء كعادتها في كل صباح،ونزلت من على سريرها،وأتجهت نحو الجدار،و وقفت أمام الصورة تنهدت في سرها،وقالت” صبّحك الله بالخيرأبو وحيد” ثم أستدارت إلى السرير حيث ولدها كان لا يزال نائماً أيقظته؛ ليذهب إلى المدرسة،و ذهبت هي إلى المطبخ؛ لإعداد الفطور الجميع لا يزالوا...