قصة قصيرة

صخورٌ مهشمة، أسماك يابسة، جثث حيوانات مائية، نخيل متيبس، أوانٍ صدئة، بقايا هياكل عظمية لحيوانات نافقة، نفايات، أحذية عسكرية تقطنها سرطاناتٌ مخيفة، أيادٍ مفجوعة تمسك بعدد الحفر، وزوارق خشبية محطمة. ترى كم مرةً عَبَرتْ؟ ومَنْ حملتْ عند غرقها؟ كلها أضرحةٌ تؤكد موت النهر. المدينةُ ظمأى تبكي نهرها،...
تراصت التاكسيات الصفراء الأنيقة ومعظمها من ماركة هيلمان وكونسول وموسكوفيتش في طابور طويل أمام زنك الخضار في وسط الخرطوم انتظاراً لركاب بحري ممن يفضلون الطراحات، وجلس السواقين يحتسون الشاي والقهوة التي تجيد إعدادها (فطومه) يتجاذبون الحديث في هموم مهنتهم ثم يتناقشون في السياسة كالمعتاد، وهو طبق...
لاحقوني بعصيهم, بعدما اتهمتهم بموالاة شيوخهم وتصديق فتواهم المزيفة . أسرع مثل جرذ يبحث عن مكان للاختباء, كل البيوت مغلقة كأرحام فتيّة, ألمح الصليب الذهبي والشموع المضاءة, وأسمع الصلوات المتقنة, أدخل في هذه الكنيسة, أشعر بالأمان . أسمع حديثهم الحاد يكاد ينزلق على لحاهم المنفوشة: اتركوه.. إنه...
كنت قد انتهيت تواً من قراءة قـصة لـ” الضرير الذي رأى “، يتحدث فيها عن لقاء يتم بين بورخِس شاباً وبورخِس كهلاً، عندما أغلقت الكتاب وحملته بحرص وخرجت بقلق أبحث عني، لعلي التقيني كهلاً. أول ما خطر لي أن أفعله هو أن أقطع الشارع المؤدي إلى الـمتنـّزه لأجلس على أحد المقاعد الخشبية الـمنـتشرة فيه في...
… لم أرتَهنُ أبدا ً ذكرياتي لدفق ِ الأيام إلاّ في هذه اللحظة التي تتوالد ُ من دواخلي بدون ِ حَبل سرّي ، ولكن بمخاض ٍ ممضّ يشرأبُ من خلف المستحيل ، بلا أنفاس ، بلا لون ، وفي بقعة ٍ ما يأمُرني فأستجيبُ ثمَّ يمتهن ُ جُلَّ إرادتي في ملامسة ِ الحياة كلَّ يوم وفي كل ِّ اللحظات ، بالتفاريق ، وهكذا...
إلى العم الشاعر العراقي/ سعدي يوسف عند المغيب تصاعد الضباب فوق رصيف المقهى، والطرقات الباريسية، و (أروى) تجالس (سبأ الاسماعيلي) عند النافذة، يعتصرهما برد الشتاء تحت رائحة كلمات تحترق كالقهوة، يخبئان تيه الحكاية.. وتيه الغناء، تبرق عيناهما بردا كقناطر تلتسع بها المسافات.. وتختلط بأي اتجاه...
خاصم الكرى أجفانه ، لم يعد قادرا على النوم إلا لماما تتوالى الليالي على إيقاع رقاص الساعة... حالات يقظة تتخللها إغفاءات متقطعة يقوم متثاقلا شفتاه تخنقان أنين آلام تمزق جسده. يساعد رجليه على مغادرة السرير يرتعش جراء برودة الأرض و برودة جسده الهزيل وكيف له أن يشعر بالدفء بعد أن أصبح جسده مجرد هيكل...
حين صرّح القاضي بالحكم، سمعت صوته، كأنّه يأتيني من بعيد، كدت لا أصّدق ما تلاه :"حكمنا إبتدائيّا حضوريّا على المتّهم بالسّجن ثلاث سنوات من أجل ارتكابه لجريمة إشاعة أخبار زائفة و بثّ الفوضى وتعكير صفو النّظام العام . صدرت منّي التفاتة، وأنا أحاول استفسار ما سمعت ، إذ بعون يضع الكبل من حول يديّ،...
حيرة صادقة لطبيب في عيادة من آخر "موديل": استرسل شعر لحيتي في غيبة عني، وغارت العينان في المحجرين واليدان رعش. وضعت قلبي بين كفي. قطعة لكم حمراء تنبض قال الطبيب نبضا طبيعيا وأضاف حانقا متعجبا. قلوبكم كلها هكذا. تدخنون وتشربون الخمرة الرخيصة وتحملون كل هموم الدنيا وتكدحون..لكن نبض قلوبكم يبقى...
"الهدهد – نفعنا الله وإياكم بفضائل الإنسان والحيوان –كثير الفوائد خاصة قلبه وريشه ومصرانه وعينه ومنقاره وذنبه ودمه ومخالب رجليه ولسانه وجلده ودماغه … ماذا تبقى!؟ كل شيء فيه! وهكذا، وعلى سبيل المثال فقط، فإن عينه إذا علقها المرء الكثير النسيان ذكر ، وأكل قلبه نافع جدا للحفظ والذكاء ، وحمل منقاره...
عـثرة الحظ أوقعته في سؤال ما كان يتوقعه . رجل ثقيل يسأله من غير مناسبة عن معنى كلمة “خرساء” التي ابتدأ بها شاعر مجهول قصيدة . دون جدوى كان يتتبع حركة الشفاه السائلة: خرساء ، خرساء ، خرساء . فما التقط من الإيماءات إشارة . بعد لأي ، وحين كاد صبر السائل ينفد ، جاءه الفرج فردّ في حرج : خرساء من لا...
لم يكونوا تعساء كما نظن نحن لكن نحن التعساء بوجودهم داخل الخور الكبير .الذي صار لهم مسكن ، وصارت المهدئات والعقاقير والمسكنات لمعظم الذين خارج الخور ملجأ لينعموا بنوم او براحة مصطنعة واطمئنان زائف لعبادات وصلوات ، لم تنهاهم عن فواحش القول والعمل ومنكر القول والعمل. يخرج ابو طرادتين ذو الخمس عشر...
حنين / قصة قصيرة سامح الشيخ وقف عديل في اعلى الربوة المقابلة للغابة التي يقع فيها معسكر اللاجئين باحد دول الجنوب الاوربي، التي لجأ اليها محاولا تحسين وضعه الاقتصادي ، وقف بتلك الربوة واخذ يدخن في سيجارته المصنوعة من اردأ انواع التباك رخيص الثمن والذي ظل عديل يشبهه بنشارة الخشب ، لكنه مازال...
انفلت الربيع خلسة كالحمل الكاذب، وانفتل الماء إلى صحراء الذكرى، التي نعود إليها كلما أعوزنا هواء اللحظة، فلا نعود بغير الحمل الكاذب… انفلت الربيع، وانفتل الماء، وانتصبت الصحراء، والذكرى عود إلى الوراء كالتمسك بومض السراب. كأزهار الدفلى… هكذا تمضي الأشياء : تلوح في الأفق الساهم غيمة جوناء، ويهمي...
أعلى