قصة قصيرة

ذات يوم تفحصت أمي حبيبتي من بعيد بعيون خبيرة مدربة ثم أجفلت قائلة: “ما أقبح عينيها، لديها عيون اسبانيورية!”. قدمتها لصديقتي رَمْلة فغنَّتْ لي: “يا زمان الوصل بالأندلس”. دعيتها لاحتساء قهوة مع صديقي شاكر فهنأني قائلا: “لن تحسّ معها ببرد الشتاء على أية حال، ثم لك أن تفارقها بعد حصولك على الإقامة”...
دمية حفيدتي ملقاة فوق الفراش.. حملتها بين يدي .. تأملتها.. فرق كبير بين عروسي الخشبية التي رافقت مرح طفولتي و براءتها و بين هذه المصنوعة من اللدائن و التي أعطوها شكل فتاة يانعة ذات قوام رشيق و وجه مستدير وشعر أشقر.. بدت جميلة.. نعم.. ولكن عروسي التي كنت ألهو بها و أنا طفلة أجمل بكثير من هذه...
كان الوقت ظلاما تقريبا عندما قام الطبيب الشاب فيليبس بوضع كيسه على كتفه وغادر البركة في جزرها، تسلق أعلى الصخور وخاض على طول الشارع في حذائه المطاطي. أضواء الشارع كانت مضاءة وقت وصوله إلى مختبره التجاري الصغير في شارع مونتيري التعليبي. كان بناء ضيقا صغيرا يقف جزئيا على أرصفة مياه الخليج وجزئيا...
- عِسْ عْلَى رُوحِكْ*. ينضبط. مدى الجسم المشدود سهماً مبرياً إلى قوس الطاعة يُنشّط الدّماغ سيّالاته العصبيّة، يشدّ النّخاع حبال صواريه، يكثّف العضلُ ماءه، يحشد العظم معادنه فتغدو الروح أوسع من حدودها اللّحمية، خزّاناً من طاقة حيوية مضغوطاً معتملاً معزولاً عن محيطه مشدوداً في آن إليه، مبذول زرّ...
تملكتني حلة من الغضب الشديد وأنا خارج من منزلي، او بالا حرى منزل زوجتي المراة التي عشقتها منذ أن رايتها أول مرة بمعهد سيرفانثيس وتبين فيما بعد أنها طالبة معي في نفس الشعبة. لا أريد تذكر أي شيء فالحنين نحو الماضي يكاد يقتلني، الحنين نحو الموسيقى السبعينية، الحنين نحو الصداقات القديمة،الحنين نحو...
اسمها فكتوريا victoria ، يسميها أصدقاؤها فيتا vita ، ليست كنوع من الدلال بل كنوع من اختصار الإسم أو على الأقل فيما يسمى تحت المخدات باقتصاد الأسماء، vita امرأة قادمة من شرق أوربا هكذا حكت لي (نطاليا) اليوم. حكت حكايتها وطويناها في مكان ما كلما تذكرتها تذكرت الرحيل، رحلة امرأة عطشانة لماء الغرب...
الجزية فكري داود لم يصل إلى علمنا ـ قبل ذلك اليوم ـ أن الولد (واصل)، هو نفسه ابن خفير العمدة. رأس عِجْل، كفان عريضتان، فم كبير، أسنان، وأذنان.. و.. وكل شيء يمتُ إليه بصلة كبير كبير. وما كانت معرفته لتصلنا، وما كانت تلك الجِزْية لتعرف طريقها إلينا، لولا هذا...
..ستمائة وواحد وثلاثون..رقم ، أعادني إلى ذكرى..ليست بعيدة جدا، لم أكن قد نسيتها لكنني لم أتذكرها من قبل أيضا .. غير أنها – كما عرفت فيما بعد- هي مصدر الرقم (631) الذي تمحورت حياتي حوله وامتلأت بالشغف..! طوال أسابيع، وهي مدة طويلة بالنسبة لرقم..لا يحمل هو أيضا أي مغزى خاص ! قادني البحث إلى ضالتي...
معجزة الزمن .. وفاتنة كل عصر.. المنصورة.. بكل ماتحمله من تاريخ وعبق ينم عن ابداعها. صوت شجي يطوف بك إلي عواصم ومدن ليعود بك من حيث أتيت إلي ست الحسن شجرة الدر ؟ استوقفتني لأستعيد تاريخي .. منحتني حرية التجوال بين ربوعها الخضراء .. ذات صباح مشرق .. وجها لوجهه .. ودون ترتيب جلست علي مقهاي المفضل...
ذات أصيل مشمس ، نفضت منيرة بأناملها الرّقيقة ضريعا عالقا بصخرة مستوية ، كثيرة الثّقوب كأنّها إسفنجة و جلست عليها راجية أن تشعر بفيض من الرّاحة بعد يوم شاقّ على مقاعد الدّراسة بالجامعة . تفحّصت حذاءها الرّياضيّ الّذي هرّأه المشي و أبلاه الطّريق الفاصل بين منزلها و ميناء سيدي زايد ثم خلعته على مهل...
لفت نظري في إحدى الجرائد المصفوفة على الحامل المعدني في المدخل صورتي أو صورة شبيهي، أو أحد أشباهي الكثر. عرض مختصر لتحقيق يحتل صفحة من الصفحات الداخلية. اقتنصت النسخة المتبقية من العدد وتوجهت نحو إحدى الطاولات، ولما جاء النادل – وبينما أطلب كوبًا من عصير الليمون- قلبت الجريدة لئلا يرى صورتي، أو...
وكما عودنا دائمًا، ما زال الزمن يضرب بلا رفق وبلا هوادة، وبأيد غير حانية، وجوهًا هرمت وقد بلغت من الكبر عتيًا، وزحفت عليها نيران الشيب كزحف النار في الهشيم، حتى إنها لم تعد تحتمل مرور نسمات غير عليلات فقط من جوارها، بعد أن بليت ملامحها وتآكلت معالمها، إثر احتكاكات خشنة مع ثمانين عامًا من أراذل...
اعتاد الجد أن يتجرع كميات كبيره من المياه، إن صباحًا أو مساء أو في ساعات الليل، وسواء شعر بالعطش أو لم يشعر. الرجل على حال التعلق بالماء دوما، أُجزم أن سلوكه هذا عن غير إرادة وبرغبة منه، كأنه يخشى انقضاض ملاك الموت، على حين غفلة، ليفعل فعلته قبل اقتناص جرعة ماء.. ربما تحميه وتلطف من جوفه في حومة...
ماتت وداد، وجدوا جثتها متعفنة في شقتنا القديمة البسيطة، التي لا تزورها الشمس، ويلثم الهواء نوافذها الضيقة من بعيد، ثم يهرب، كما هرب الناس من حول جثة أختي، واضعين أكفهم على أنوفهم. أنا لم أهرب، ولم أضع يدي على أنفي، بل اقتربت منها، وملت عليها في هدوء، وسحبت شهيقًا طويلًا، وشممت أطيب رائحة...
أعلى