قصة قصيرة

باردٌ، كدمشق في يومها الأخير. أرى: يبلعُ الرملُّ الماءَ ولا يشبع. أرى: أركض نحو أختي، التي ماتت قبل أن تلدها أمِّي، كي أمنحها سرِّي. أنا ابن آخر قطرات من شتاء، كالضجيج أتصاعد، حكاية بخار منفيٍّ من إبريق جدِّي. وجدِّي، رأس لطربوش أحمر، وقمباز لسجادة صلاة تحت مئذنة. كان شكل جدِّي مئذنة...
بصيص الضوء لا يدخل إلى حجرته سوى صباحات الجمعة، حيث تفتح زوجة ابنه نوافذ الحجرات كلها، بما في ذلك الحجرة الجوانية التي تشبه القبو. هي حجرة صغيرة للغاية، متواضعة الأثاث، تطل على حجرة واسعة ليس فيها أحد. لا حس ولا خبر. بالكاد، حين يصيخ الجد السمع، يستمع إلى تلفزيون الأحفاد وهو يوش على قنوات لا...
في الواقع، الإنسان الذي يريد أن يشاهد على نحو صحيح مجد الله على الأرض، لا بدَّ له أن يشاهد ذلك المجد في الوحدة. بالنَّسبة لي على الأقل، الحضرة - ليست حضور الحياة الإنسانية فقط، بل حضور الحياة في أيِّ شكل آخر غير تلك الأشياء الخضراء التي تنمو على الدَّنس وهي صامتة - هي وصمة عار على المنظر...
بعد أن نجحت إلى الصف العاشر بدأ هاجس بزوغ ذقني ينتابني، فهي لم تبزغ حتى الآن في حين كان زملائي يتفننون بحلاقة ذقونهم، وكنت منذ طفولتي أحسد الابن الأصغر لصديق والدي لأنه كان يلبس شورتاً يبرز الشعر الكثيف في سيقانه وأنا بلا شعر في سيقاني.. وكنت معقداً من ساقي الرفيعتين النحيلتين، لذلك كنت أرتدي...
قال أبو العباس في كتابه ” أغلى الأنفاس في أخبار وأحوال الناس“: سافرنا، أنا والْخَليفة هارون الرشيد، إلى مكةَ الْمُكرّمة لنحُجَّ معا. وكنت ألازمه كظلِّه، لا أفارقه في حَلِّه وتَرْحالِه، إلا ليلا عندما يريد أن يَخْلُد للنوم!..وكان لايثق إلا في شخصي، ولايُفْشي سِرا كبيرا أوصغيرا إلا لِهذا العبد...
تأمَّلْتَها صبيةً يافعةً،فاكهة تنزّلت من ملكوت الأساطير؛ أوحى لك خيالكَ المتجذر والمنحدر من مضارب وخيام القبيلة والبدو المنغلقين والمكبوتين.. صادقا فخورا أومأ لك زميلك أن تمد يدك المرتعشة لتقطف من بستان الطالبات ماتشاء.. -عليك بالعلامة فهي أقرب وسيلة للوصول إليهن.. تعلمْتَ بسرعة نجاعة السلاح...
تطاولتْ ظلالُنا تطاولاً مرئياً أمكنني تتبُّعه بالعين المجردة، مثل تتبُّع حركة عقرب الثواني. لم تتطاول فحسب، وإنما تضخَّمت متعملقة أيضاً، فغطَّت مساحات واسعة من رمال الصحراء المتصلة بالأفق شرقاً، بينما هي ساكنة في مكانها! من جهة الغرب، نهض مدفنٌ عظيم، ملأ بدوره الأفق، وحال دون رؤية أي مشهد سواه...
من ورم خبيث، أتلف العين، وبعدها الدماغ، ماتت "هنو"، أضحت أختها "حادّة" وحيدة، تَجْرِشُ الحسرة كل يوم، رهينة الصمت والوحشة. الأقارب؟! بعد مراسيم الدفن أثارت نِعالهم غبار المقبرة.. بدَّدته الرياح وتفرقوا كيما يستأنفوا انجذابهم إلى الكدح فالهلاك. كوخها التابوتيّ هذا الصباح رَفَّهَهُ البياض،...
يداي خرقاوان إلى حدٍّ لا يطاق، وهذا يحزُّ في نفسي. لو كانت لي يدان ماهرتان لتغيَّر قدري. فالأيدي التي تقوم بعمل نافع تغوص في أعماق الكينونة وتفجِّر منها نبعاً من الخير والسلام. ولكن هيهات! لم أرَ أبي قط، ولم أسعَ قط إلى رؤيته. تزوجتْ أمي كرَّة أخرى ولم يكن لي من العمر أكثر من سنتين. ربَّاني زوج...
ثَمِل بشعورك بالملل، تسير في الشارع المزدحم ووجهك تضيئه مصابيح السيارات المنطلقة بين لحظة وأخرى. وهذا الجو الشتائي الكئيب يجبرك على السير بمحاذاة الأبواب الزجاجية المقفلة. وجوه كثيرة تمر قربك. يخيل إليك أنها حزينة.‍‍ الليلة ستنتهي. نعم، لا يمكن أن يطول الأمر اكثر من ذلك‍! تمر سيارة مسرعة...
لدي في غرفتي، يا أصدقاء، ثلاث تفاحات شمعية جميلة تسرُّ الناظرين... من بعيد يصعب تمييزها عن التفاح الحقيقي؛ فهي متقنة الصنع رائعة اللون... ولطالما نقلتها من زاوية لزاوية برفق وزهو ومحبة... ذات مساء, في سكون الليل، أضأت قنديلاً زيتياً صغيراً, فبددتْ شعلتُه عتمة المكان, ورحت أجول بنظري في الزوايا...
هكذا كان يجب أن تطلَّ من باب الغرفة، وتتجه سريعًا نحو بطئكَ القادم – ليس لأنك محاصَر بقليل من الحكايات، أو لأنك تريد أن يكون لعينيكَ مشهدٌ آخر يعج بأطياف لذيذة. قررتَ أن تكون هناك فقط، على ذلك المقعد بالضبط، حيث يمكن لكَ أن تتلف نهاركَ كلَّه بدمعة واحدة دون أن يشعر بكَ أحد. ولأنك أجبن من أن...
في منتصف كلِّ ليلة... أتراشق مع احتضاراتٍ كثيرة لأشياء عبرتْ في اليوم الفائت. واليوم، في تعبيراتنا، هو الوقت المتاح لتراكُمات أكثر وأكثر. لا يهم الآن ما نُراكِم. ما يهم هو أن اليوم قد اختُصِر بمحض معجزة حضارية إلى اختراع! عددتُ طَرَقاتِ الحذاء على وجه الرصيف أربعمائة طرقة وخمسة عشر ينبوعًا...
في قصص الأحلام ، تخلق الجنِّيات دروباً ضائعة تنهبها أقدام العشَّاق... صوت الدراجات... وكسل الأغنام قبل المغيب... في دروب بعيدة قد نصادف الكون مختالاً إلهيّ المحيّا، يعلن ولادة واقعة كونية غريبة كرائحة الطين المتيبِّس، أشمُّها نسرينا عاصفة بلذة الريح العنيدة تمارس الصلاة فوق مذبح الربّ كلما...
ابتدأت ساعته الجدارية دقاتها محفِّزة كل خلاياه المتبلِّدة. تحولت دقاتها إلى حركة تمتصها كل الأشياء التي تبعثرت حوله لتعيد استفزازه من جديد. تنحّت أمام عمائه جدران الغرفة واحداً تلو الآخر. استطاع أن يرى أسراب الليل تتراخى على كل منزل تخايل له من نافذته، مطفئة الأبصار الكسولة عن الحركة والضجيج...
أعلى