رواية

امرأة من زمن الحلم الضائع الفصل: أحببتها في الغياب الذي لا ينتهي بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر لم أكن أعرف أن الغياب يمكن أن يكون بهذه القسوة، وأن الإنسان قد يواصل حياته بصورة طبيعية أمام الآخرين، بينما يتوقف شيء في داخله عن الحركة منذ اللحظة التي يرحل فيها شخص بعينه. كنت أظن...
امرأة لم تكن هالة تعرف أن الإنسان قد يولد من جديد دون أن يغادر المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، وأن بعض التحولات لا تحتاج إلى ضجيج الولادة، ولا إلى شهود يقفون حول سرير الحكاية، بل يكفي أن تنكسر في أعماقنا فكرة قديمة، حتى نفتح أعيننا على أنفسنا بملامح لم نألفها من قبل. كانت تجلس في مقعدها المعتاد،...
«شُدَّ من علياءِ أحلامه... فبعض الأحلام إن لم تُمسَك بإحكام، تسقط لا لأنها ضعيفة، بل لأن أحدًا لم يؤمن بعلوِّها». قالها فتحي في نفسه، وهو ما يزال بملابسه التي ذهب بها إلى العرس، كأن الليل لم يمنحه فرصة للعودة إلى ذاته، أو كأن ثمة شيئًا ظل عالقًا به منذ غادر البيت في تلك الليلة، شيء لا تستطيع...
على طاولة الأدب لمحتك من بعيد، ولم أكن أعرف إن كنت قد جئت لتقرأ أم لتُقرأ، لتبحث عن قصيدة تنقذك من نفسك، أم لتضع قلبك فوق الطاولة وتترك الآخرين يتأملون جراحه باعتبارها مادة صالحة للنقاش. كنت تجلس في الطرف المقابل، تحيط بك الوجوه والكلمات وأكواب القهوة، وتبدو كأنك تنتمي إلى ذلك المكان أكثر مما...
على طاولة الأدب لمحتك من بعيد، ولم أكن أعرف إن كنت قد جئت لتقرأ أم لتُقرأ، لتبحث عن قصيدة تنقذك من نفسك، أم لتضع قلبك فوق الطاولة وتترك الآخرين يتأملون جراحه باعتبارها مادة صالحة للنقاش. كنت تجلس في الطرف المقابل، تحيط بك الوجوه والكلمات وأكواب القهوة، وتبدو كأنك تنتمي إلى ذلك المكان أكثر مما...
لم تكن جيهان تؤمن بأن العدالة عمياء كما تصفها الكتب، بل كانت ترى أنها تفتح عينًا حين يقف أمامها صاحب نفوذ، وتغمض عينيها حين يكون المتهم رجلًا فقيرًا لا يملك سوى اسمه ووجهه المتعب. ومع ذلك، ظلت تؤمن أن هناك دائمًا مساحة صغيرة يستطيع القانون أن يتنفس فيها، وأن المحامي الحقيقي ليس من يربح كل...
فصل: حين صار السؤال أكبر استوقفتني العبارة طويلًا. لا أعرف لماذا استهوتني إلى هذا الحد، ربما لأنها لامست شيئًا كنت أشعر به دون أن أجد له اسمًا. أحيانًا يعيش الإنسان يومه طبيعيًا، يذهب إلى المدرسة، يضحك مع أصدقائه، يكتب مقالًا، ينشغل بمسابقة، ثم يكتشف فجأة أن تحت كل هذا الاستقرار هاوية صامتة، لا...
كان من عادتي أن أكتب عنوان الحلقة قبل أن أبدأ إعدادها، ثم أترك مساحة واسعة تحت العنوان لأضع فيها الأفكار التي تأتي تباعًا، لكنني في ذلك اليوم ظللت فترة طويلة أمام الجملة التي اخترتها للحلقة، أقرأها مرة، ثم أعود إليها مرة أخرى، كأنني لا أريد أن أبدأ قبل أن أفهمها من الداخل لا من ظاهرها. كتبت في...
لم يمر وقت طويل حتى عاد فتحي إلى ما كتبته، وكأنه لم يستطع أن يترك كلماتي معلقة في آخر الكراسة دون رد. كان يحاول أن يشرح وجهة نظره، لا أن يدافع عن نفسه فقط، وكان بين سطوره شيء يشبه الاعتراف، وشيء آخر يشبه العناد الذي أعرفه فيه جيدًا. قرأت كلماته مرة، ثم أعدت قراءتها، وكلما ظننت أنني فهمت ما يريد...
خطوتها ليست خطوة، بل موسيقى جسد، وقلبك أول الراقصين. هكذا أحببتك، كتمثال ينزف بين يدي نحّات منبوذ، كجرح مرسوم على كف التاريخ، كبشر صنعنا بأيدينا نواة خطايانا، كطعنة سامة أصابت قلب هوانا. لم أكن أعرف في ذلك الوقت لماذا كتبت تلك الكلمات، ولا لمن كانت موجهة على وجه الدقة. كنت أكتب كما يفعل الإنسان...
لم يكن فتحي كثير الكلام حين يتعلق الأمر بي، وهذه المفارقة هي التي حيّرتني أكثر من أي شيء آخر. كان يستطيع أن يتحدث طويلًا في التاريخ، وأن يشرح واقعة صغيرة وكأنها حدثت أمام عينيه بالأمس، وأن ينتقل من تاريخ مصر إلى السياسة ثم إلى الأدب، لكنه حين يصل الحديث إليّ كان يختصر، ويتراجع، ويترك نصف الجملة...
كان الليل قد تمدد من حولي حتى بدا لي أن العالم كله نام، وبقيت أنا وحدي مستيقظة، أراقب السكون وأصغي إلى شيء لا أعرف له اسمًا. الآن، بما أنه ليلٌ جدًا، أريد أن أكتب. ثمة في الهدوء ما يجعلني أسمع صوت الحزن بشكل أعمق، بطريقة مختلفة، لا تشبه ذلك الحزن الذي يداهمني في وضح النهار، وإنما حزن أكثر...
الفصل: الرجل الذي ترك الباب مفتوحًا... نعم، هنا يوجد تغيير جوهري مهم جدًا؛ لأن سفر فتحي بعد شهرين من رفض هالة، ثم غيابه أربع سنوات، وعودته إلى المنيا جثمانًا، يضيف إلى شخصيته غموضًا حقيقيًا، ويجعل الوداع أكثر قسوة وصدقًا. لذلك نحذف تمامًا فكرة أنه «سيسافر إلى بلدته» وأن هالة تقف لتودعه، ونترك...
لم يكن أكثر ما أخافني في فتحي أنه كان رجلًا أكبر مني، وإنما أنني كنت أعرف، في مكان عميق داخلي، أنني أحب هذا الرجل رغم كل ما بيننا من مسافات لا أعرف كيف يمكن عبورها. كنت أخاف الاعتراف لنفسي قبل أن أخاف الاعتراف له. فارق العمر كان يقف بيننا مثل جدار لا أستطيع أن أتجاهله، حتى عندما كان قلبي يتصرف...
مرت الأسابيع بطيئة، وانشغلت المدرسة بأحداثها اليومية، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ناقصًا. حاولت أن أملأ الفراغ بالكتابة، فكتبت أكثر من أي وقت مضى. بدأت أكتب عن المرأة التي ستصبحها الفتاة الصغيرة يومًا، وعن الأشياء التي ستخسرها وهي تكبر، وعن الرجال الذين يمرون في حياتها، بعضهم يبقى، وبعضهم يرحل،...
أعلى