سرد

الدفء كان يشمله، وهو داخل الورشة، أما وقد خرج، بعد انتهاء ساعات عمله، فقد نفحته موجة من البرد و... "الزيفة"، جعلت أوصاله ترتجف.. لفّ عمامته القصيرة نوعاً.. أوصلها بعد "مباصرة" إلى ما تحت أذنيه.. قاد دراجته. عشرون عاماً وهي معه.. يرأف بها.. وكأنها من أفراد أسرته لا يستغلها، إلا من البيت إلى...
مَنْ يكتب عن الأدب المغاربي يجبُ عليه أنْ يتسلّحَ بالمعرفة الكافية عنه , و إلا سيتخطى حدودَ المباشرة ليصلَ إلى هاوية الترّهات. ما يعنيني هنا أني تعرفتُ على الأدب المغاربيّ من أفضل ِ الموارد له , أقصدُ كتابَ عبد الكبير الخطيبي : ( الاسمُ العربيُّ الجريح) الذي فتحَ أمامي أبواباً كانتْ موصدة فيما...
سرى نبأ في كفرنا انزلق من لسان هنومة الداية تلك التي تدب في الحواري وتتسمع الوشايات، يقولون عنها: أذنها ملقاط وفمها الذي به ناب من فضة وآخر من ذهب يشبه الإذاعة ترغي من راديو فتوح القهوجي؛ وإن ماء سبيل أم عباس مبارك؛ تأتى به جنية من سحابة تنتظرها أعلى جبل المقطم من جهة قلعة الجبل، على أية حال...
بعد رحلةٍ شاقة، قد جابت أربعة عشر تقاطعاً لمدينة بغداد، عادت مع اختفاء الشمس، لخيمتها التي تتكون من أربعة أعمدة من الخشب، مغطاة بصورة دعاية انتخابية كبيرة. جلست "مينا" وهي تعصر قدميها المتورمتين: _آه... متى ينتهي هذا الألم؟ تُخرج من تحت الوسادة صورة والديها، تعانقها بشدة! وهي تحدق بالسقف بعيون...
وظلا يتابعان أحداث المظاهرات على القنوات الأجنبيّة وبعض القنوات العربيّة. قالت القناة: «وفي الشأن المصريّ، خرجتْ جموع الشعب المصريّ من مختلف المحافظات حاملين جالونات مياه فارغة، أما القاهرة فقد تمركزوا في الميادين الرئيسة وخاصة ميداني التحرير ورابعة؛ فضلاً عن وقفات احتجاجية أمام الوزارات...
حميد شاب في نهاية عقده الثالث عامل بناء، حين بدأت أخبار كوفيد تنزح من الشرق عبر القنوات الإذاعية كان حميد قد نزح قبلها من البادية و نزح قلبه إلى مقام التتيم بجميلة (مولات المسمن) التي اعتاد تناول فطوره في المقشدة التي تديرها رفقة اختها، كان حميد يناديها دائما بالحادگة لأنها تقدم وجبات الإفطار...
من الذكرياتِ المرتبطةِ بشهر رمضان، والتي لم تفارقْ خيالي قَطَّ، تلك التي كانت في طَوْر الشباب، وفي الشباب يَطِيبُ السهَرُ والسمَرُ، فيه الحريةُ والانطلاق، فيه المجازفةُ والمخاطرة، وفي شباب كلٍّ منا وصِباهُ ذكرياته التي تأبىٰ ألا تفارقه. وفي رمضان تتضاعف الرغبةُ في السهر؛ فمعظم الناس...
آتاهُ الله بسطةً في الجِسمِ ، وخمولا في العقلِ ، فرأسه الضّخم المكوّر فوقَ كتفيهِ العريضين المُكتنزين لحما ، لا يفرقه كثيرا عن هيئةِ الثّور ، وكأنّما الغباء المُستحكم استخلَصهُ لنفسهِ دونَ سواه ، وعلى قدرِ ذاكَ الغباء ، ينزحُ بهِ الطّمع كُلّ منزعٍ ، حتى ابتنى لنفسهِ قصورا من الجَشعِ ، مثلهُ...
أين نحن؟ سألني والدهشة صوته. رفعتُ عينَيَّ عن صغيري، الذي انتابته نوبة صراخ منذ ثوانٍ، نظرتُ إلى الطريق من حولي؛ فلم أتعرَّف معالمه. نظرتُ إلى زوجي؛ فوجدتُ الذهول على وجهه والحيرة، لمحتُ ساعة السيارة فوجدتها تشير إلى السادسة وعَشْر دقائق؛ وقت مغيب الشمس. لم يكن هذا امتدادًا لطريقنا الذي نسافر...
غرقتُ في غيبوبة طويلة جدًّا. دخلتُ بطولها كتاب "غينس" للأرقام القياسيّة. أبقى عليّ أفراد أسرتي حيًّا عدّة سنين لمحبّتهم لي ولكوني ثريًّا أيضًا. استفقتُ من غيبوبتي بقدرة قادر في يوم مشهود لم تغب فيه الشّمس عن منزلي الفاخر. استرأيتُ بالمرآة، شهقتُ شهقة زلزلت دواخلي وغُمِيَ عليّ حين وجدتُ نفسي كمثل...
يمشي بين أعمدة الهيكل، تتثاقل خطواته، أسمر، عريض المنكبين، شفة غليظة تميز بها أبناء النيل، إضافة إلى السمرة والروح الجميلة، ولكن هذا المساء كان يحمل على أكتافه أعمدة الكرنك بكل ما فيها من ثقل، وكان يجرجر خطواته نحو العتمة، وكأنّه يمشى في اللاوعي، في اللاشيء، عبير الورود اختفى، وصوت الليل وأنين...
حتما سنلتقى يوما ،فى يوم معلوم وساعة محددة ،ترتدين نفس الرداء الأحمر الفاتح الواسع ، كلون قرص الشمس الأرجوانى ، الشفاف الفضفاض ،كما رأيتك فى الحلم تقفين على حافة عشب أخضر وسط صحراء مظلمة ،النور الوحيد الذى يشع على جسدى المرتجف ،كان منبعثا من عينيك فأنار هذه الصحراء . نعم .. سأتحدث معك وانت تضعين...
شهقتْ في صمت حين أحست أنه وراءها،لم تلتفت،بدأت في الركض،ساعدها نحولُها،و ضاعفت من سرعتها..هو أيضا نحيل،و حدَث،و رياضي،بل و أسرع منها،لكنه ،من خلفها،يذكي طقساً سينمائياً عن مطاردة الضحية دون أن يتخطاها،أو يمسك بها ،يحب أن يُطارِد،بينما الضحية تركض خائفة منه.هذا أربه أبداً،أزلاً. كانت لا تزال...
نمتُ نصفَ قرن,وفقتُ الآنَ لأُفيق احتفالاتِنا بيوم الشعر العالميّ في بيوت عامودا الطين,تلك التي تمكثُ في الأطراف بعيدةً عن لصوص النهار و حرافيش البعث.من خلال الشعر تعرّفتُ على ماركس السرياليّ,ومن خلال رياض صالح الحسين عرفتُ حسين مروة,ومن خلال محمد الماغوط دخلتُ عالمَ الثورة ولن أخرج منه,فالحياةُ...
* قصة المرأة تُقْرَأُ في عينيها... وإن كنت كثير الهلاوس والتهيؤات، أتذكر جيدا أنني، حين التقيتها أول مرة، بدا لي أنها مُتعَبة، كشف لي ذلك صوتها المرهق، وعيناها الحزينتان، وملابسها المبعثرة... قلت لها مازحا: أتخيل أباك فظا قاسيا، يبرحك ضربا، من دون أن تعرفي السبب! قالت: وكانت قسوة أمي...
أعلى