كنتُ، في السادسة من عمري، كبيراً جداً، عرفتُ مبكراً ازدراء الجيران لطفل وقح، وحرَكَي، أتذكر الأحداث التي ساهمت ببناء جرحي الكبير، شخصيتي المطعونة بخناجرَ مسمومة، كنتُ دائماً أحس بأنني مختلفٌ عن الجميع، لم يخطر في رأسي أن هذا الشعور هو العفن المأساوي لطفولة مغطاة برطوبة اللامبالاة، لم أكن أغفو...
لما أيقن التاجر "حامد" من حظوة أبي إسحاق الساحلي عند السلطان الذي أكرم وفادته وأدناه منه في المجلس، دعاه إلى وليمة في بيته بعد أن عرفه بنفسه، وأخبره أنه من أثرياء التجار، ولما ألح في الطلب، وافق أبو إسحاق على أن يحل ضيفا ببيته في اليوم الموالي. لبس أنقى وأرقى لباس يمتلكه، واتجه مع أحد رفقائه إلى...
م يكن أحد يعلم أن ما يحدث فى البلاد البعيدة سوف ينتقل إلى تلك المدينة الصاخبة الآمنة ، فكانت السخرية بين الناس على المقاهى والتجمعات، وكل يظن ان قريته أو مدينته محفوظة ومحصنة ضد المرض والسحر والجان ، فالشيوخ والرهبان اخبروهم بذلك !
فى لحظة خاطفة تحولت السخرية والضحكات إلى خوف وقلق عندما ظهرت...
الولد البدوي لحقنا بالماء بعد أن كدنا نهلك ، وقبل أن يختفي لف رأسه وضحك وقال " الماء عطن ولا يشرب منه إلا الإبل " ، فزع الجميع لثوان ثم أخذوا يضحكون ويتندرون بي ، أنا الذي مَلأت وجهي صفرة الموت وألقيت بنفسي على الأرض لأتقيأ.
استمرت ضحكاتهم تملأ المكان وأنا أرتعش وأنز عرقاً وأكاد أفقد الوعي حتى...
في غرفة بيضاء وثوب سماوى تتكوم "نجاة" تزدرد أعوامها الماضية، وحيدة كئيبة، إلا من خادمة استأجرها أولادها لتكون إلى جانبها في مرضها الأخير، هي في عامها الثالث بعد الثمانين، تتهافت عليها الذكرى على هيئة صور .
صورة فتاة الجامعة المتألقة، تقف وسط جمهور من الطلبة والطالبات تُلقى قصيدة شاعرة ساحرة،...
ما عرفت النّوم ليلة البارحة (وهل كنتَ تنام حقّا في اللّيالي السّابقة؟)، فقد كان الحيّ الذي لعلع فيه الرّصاص قريبا جدّا من منزلكم حتّى أنكَ ظننتَ أنّ الطّلقات كانت تخرج من بين أبواب ونوافذ بيوت المنزل عندما اقتربتَ من المكان وأنت تدفع الجموع التي جاءت تستطلع الخبر، ولكنّك رغم ذلك خرجت باكرا تجري...
أنا نَطَفَةٌ اِنْقَهَلَت في صُّلْب أُمِّي حِينْ لَيْلَةٍ شَيْباء ، إِبَّانَ لَذَّةٍ ، في أَثْناء تَوَتُّر ، بَعْدَ حِين تَشَوُّش دَبَّ في أَطْرَاف بَدَن أبي ، و مُفْرَدة التَشَوُّش هَذِة سَتَسمِرَّ مَعْي إلى حِينْ ، بها لَبِثتُ أَشْهُر داخل طَيّ أمي ، و عَبْرَها تَأَرَّضَتُ حَيِّزاً في هَذِة...
جلسوا ينظرون إليه مُقتعدين الأرض، وللغيظِ فِي قلبه نارٌ تتوهج وللغضبِ على نفسه سلطانٌ لا يكاد يهدئ مِنْ ثورته أو فورته، وهو يريد أنْ يرمي عنه بعض الهموم الثِقال والخواطر المحزنة التي كثيراً ما تعتري النفس بين الفينة والفينة. وللناس مذاهبهم المختلفة وطرقهم الخاصة فِي التخفف مِنْ الهموم والتخلص...
قبل منتصف الليل بساعة رنَّ الهاتف، فغرقت في بحر الفزع، وركبتني الظنون السوداء التي لا تفارقني في هذه الأيام النابحة بالموت، خوفا من أن يكون أحد الذين يضيئون قلبي قد غطاه الوباء اللعين بردائه، واستضافه من حيث لا يحتسب.
ولما أخذتُ السماعة، وأصغيت، رشَّني صوتٌ أجشُّ أشبه بصوتِ رحى شائخة، عرفت فيه...
حينما كان أستاذ التاريخ رشيد يمرر عددا من صور بعض الشخصيات السياسية التي أدت أدوارا هامة في العصر الحديث- وخلال الحرب العالمية الثانية خاصة- على الحائط الأبيض بواسطة المسلاط، رفعت تلميذة يدها تطلب الكلام من أستاذها، وقبل أن يمنحها الإذن بالحديث، أشارت إلى صورة رجل يضع سيجارا ضخما في فمه، ويبدو...
كلما أخلو لنفسي .. أتذكر .. الكلمات التي كنا نتبادلها معا .. الأغاني التي كنا نسمعها .. بل كلما رأيت اثنين تحكى عيونهما قصة حب .. أتذكرها .. فيجافى جنبي النوم .. أصاب بالأرق .. حالما بلحظات لقاءاتنا .. فانهض .. ارتدى اجمل ملابسي .. أتعطر .. بعدما اساوي شعري امام مرآتي .. المع حذائي .. ثم أسير...
تروح الشمس وتجيء، ولا تزال الطفلة طفلة، لكنها ستظل وحيدة، ترى العالم من عين في قلبها لا عقلها، ذلك أنها تريد الجميع سعداء، لكن الجميع لا يمكنهم ذلك، وعلى ذلك تعاني يسرا أشد العناء، ومع نضوج ثمارها، وبزوغ الشفق من خديها، تستدير شفتاها كأقحوانة برية وتخبو شهيتها إلى الكلام من هول ما رأت، وتميل...