عندما فضت عنها الثوب الأنيق، لتقوم بإعادته إلى الدولاب، شعرت حينها بالفقد، وبأن شيئا ما قد فارقها. ارتبكت قليلا، لكنها حاولت اختلاس بعض الوقت في هدأة مريحة، بعيدا عن ضجيج الحفل الصاخب الذي عادت منه لتوها، قلقة ومنزعجة بلا سبب.
ربما غفوة قصيرة، تستعيد معها توازنها. فكرت.
في نعاسها الحالم، الذي...
في لحظة ما.. في مكان ما.. في لقاء ما.. بينه وبينها.. ولد بعد لحظات مخاض عصيبة وبعملية قيصرية جاء إلى الحياة.. من رحم الغيب أطل بوجهه الصبوح على الدنيا.. من جوف العتمة أشرق بالنور.. أبوه فقيراً لا يمتلك شيئاً في زمن لا يعترف بذلك.. أمه ترفل الحياة على أطراف أناملها.. تتمرغ على وسائد طرية.. تركت...
تعالتْ صرخات أمه فاطمة بنت الحق ، أسرع إليها ولدها أحمد فتفجع لصراغها وارتعد رغم ارتفاع درجة حرارة الجو ، فوجدها تتألم كثيراً، فقال لها مالكِ يا أمى ؟، فقالتْ كادتْ أفعال الخلْق تشقُّ رأسي يا ولدى .
وبمجرد أنْ انتهتْ من كلمتها فتكتْ بها غيبوبة السكر ففقدتْ الوعى.
وما غيبوبة السكر التى تعانيها...
لم تعد مّي فاطنة تثير الفضول أو الاستغراب. تعوّد على وجودها كل أهل "حيّ المحمّدي" بعدما اختارت بعناية فائقة زاوية من حائط القيصارية يطلّ على مدخل "
كاريان سنطرال". ترقب الداخل والخارج، و تأمل بمعانقة حبيبها الغائب.
كانت بالليل تحتمي بمدخل المسجد القريب. تفكّ حمّالتها، تضع ثقلها، تجعل منه وسادة...
كنت أقف علي القمر عندما أستيقظت ووجدت نفسي في الجزء المظلم منه، فقد كانت رحلتي طويلة علي حد مزعج، كنت أتمني ان تنتهي سريعا علي ذلك الملقب بالأرض، أنتقلت بحياتي إلي الأجزاء الآخري من الكون، لم أعلم لماذا أنا هنا او كيف جئت كل ما أعلمه ان هناك الكثير مثلي، و كلنا واحد في نفس الرحلة.
أستغرقت...
فجأة وبدون سابق إنذار تحولت المدينة الى عروس زاهية الألوان ، تنتظر قدوم العريس ، أخدت أتجول بسيارتي عبر الشوارع الرئيسة ، أتأمل الواجهات والأرصفة ، كل شيئ غيروه ماعدا وجوه الناس لم ينجحوا في إضفاء الطابع الإحتفالي عليها.
على مقربة من مفترق طرق خطير تجاوزتني سيارة فخمة على اليسار ، لم تكن سيارتي...
هممت أن أدير دفة السفينة إلى وجهة أخرى عائدا إلى بلدي… وكأنه بيدي الساعة أن أبطل ثورة الموج، وأن أتحكم في شدته.. أن أقول له كفى لقد غيرت رأيي، لن أعاندك، لن أصارعك.. أريد العودة إلى بلدي وأهلي .. لو فعلت وأدرت العجلة لضحك مني الموج، وقهقهت الريح.. ما زلت في غفلتي أظن أن الأمر ملك يميني.. ليس...
عند مفترق الطرق لمحتها عيني ،توقفت لأوصلها ،ركبت دون تردد ،لم أشأ أن أكلِمَها أردت أو أوصلها وفقط حتى لا تشعر بالخوف ،الشيئ الوحيد الذي فعلته هو ابتسامتي ،نظرت الي وقالت :
منذ اكثرمن سنة وانا أُريد وأبغي و أحلم ….
ومنذ أربعة أشهر وأنا انتظر موعد دفع ملف طلب تأشيرة ولما حل الموعد لم يأت سائق...
"... يا حبيبي طاب الهوى ما علينا
لو حملنا الأيام في راحتينا
صدفة اهدت الورود الينا
واتاحت لقاءنا فالتقينا.."
قالت:
- صوتك جميل..
قال:
- ليس جميلا كما ينبغي للحب أن يكون.
"يا حبيبا قد طال فيه سهادي
وغريبا مسافرا بفؤادي..."
قالت:
- اكملها..
قال:
- لا... لا أحب ذلك المقطع..
قالت:
- سوف تلهو بنا...
فتحتْ باب المقطورة، غمرها ضوء الشمس المشرقة. هواء ساكن مشبّع برطوبة شديدة أشبه برطوبة البصرة، درجة حرارة في حدود الخامسة والثلاثين مئويّة. يُمكن تحمّل الحرارة، أما الرطوبة فمن الصعب. تصيب النفس، القلب، الروح بالتقزّز. ثمة شيء ما ذو رائحة كريهة ينبعث من مكان ما؟ أشبه برائحة بيض فاسد، لا بل سمك...
اليوم رحل جيو. أكيد أنه لم يوص بشئ. بل لم تكن له الرغبة في الحديث لأي كان. لم ينظر لا يمنة و لا يسرة. لم يحاول ان يعرف من حضر لوداعه و من تخلف. نبس بكلام مبهم يقوله أي مقبل على الموت، وراح طافقا الباب خلفه بكل قوة.. و الأكيد انه لو كان ما يزال محتفظا ببعض قوته, فانه كان سيبصق في وجع الجميع، و...
*
لقد نزل رئيس روسيا البيضاء من الطائرة في مطارنا ولفحه ذلك السموم في وجهه ، فأذاب أوردته المثلجة من بقايا الأصقاع الباردة. ورأى لأول مرة شعبا يسير ببطء وكأنه مشهد إعادة لهدف مباراة كرة قدم. هناك وفي أول سانحة حيث وقف إلى جانب الرئيس استهل حديثه متعجبا من بطء هذا الشعب وحثهم على أن يكونوا أكثر...