مختارات الأنطولوجيا

أيّها الحزن، لن أعاملكَ ككلبٍ شريد يأتي بابي الخلفي لأجل كِسرة خبز أو عظمة جرداء. سأوليكَ ثقتي. سألاطفك لتدخلَ بيتي، فأخصّكَ بزاوية، بسجادة بالية تضطجع عليها، وطاس ماء. أتحسبني أجهلُ أنكَ كنتَ تعيش تحت شرفتي؟! أنتَ تتوقُ أن يُرتَّبَ موضعك قبل حلول الشتاء. يعوزكَ إسمٌ، طوقٌ وبطاقة، وأن تملك الحقّ...
قفي على أعلى درجات السلّم- انحني فوق أصيص حديقةٍ- احبكي، احبكي شعاع الشمس في شَعركِ- ضُمّي زهراتِكِ إليكِ بمفاجأة متوجّعة- إرميها أرضًا والتفتي بغيظٍ شريدٍ في عينيكِ: لكن احبكي، احبكي شعاع الشمس في شَعركِ هكذا كنتُ لأجعله يرحل، هكذا كنتُ لأجعلها تقف وتتفجّع، هكذا كان ليرحل كما الروحُ تترك...
الثانيةَ عشرةَ. على مرمى يد الشارع العالق في توليفة قمريّة، تعاويذ قمريّة هامسة تذيب أرضيّات الذاكرة وكلّ علاقاتها الواضحة، فروعها ودِقّاتها. كلّ مصباح شارع أمرّ به يضرب مثل طبلٍ قَدَرِيٍّ، ومن خلل فضاءات العتمة تهزّ ساعةُ منتصفِ الليلِ الذاكرةَ كما يهزّ مجنونٌ غُرنوقيّةً ميتة. الواحدة والنصف،...
I نحن الرجالُ الجوف نحن الرجالُ المحشوّون منحنون معًا خوذةٌ محشوّةٌ بالتبن. واحسرتاه! أصواتنا المُجَفَّفة، عندما نهمس معًا، صامتة وبلا معنى مثل ريحٍ في عشبٍ يابسٍ أو أقدامِ جرذانٍ على زجاجٍ مكسورٍ في قبونا الجافّ شكلٌ بلا صورة، شبحٌ بلا لون، قوّةٌ مشلولة، إيماءةٌ بلا حركة؛ أولئك الذين عَبَروا...
أرقٌ أمِ الـوَجَـعـان ِفــيـكِ تَـوَحَّـدا ولهـاً أمِ الإرثـانِ مـنـكِ تــوسَّـــدا حُـلـمـاً يــزفّـــكِ لـلـغَــداة ِأبــيَّــةً أمْ هُمْ حُواةُ الشَّرقِ صَدْرَكِ أنْهَدا قهراً غـدا بِـكِ للـدُّنا مَـثَـلَ الـذي إنْ حافهُ دَمَــقٌ أناخَـهُ واحْـتـدى حتى تـفـرُّ الـريحُ عـن وكُـنـاتـهِ ويـلـوحُ...
أتيتُكِ بعدَ أنْ ماجَ الـسَّـحـابُ وزغْردَتِ الْجَداولُ والشِّــعابُ ودبّـجكِ الـرَّبـيـعُ بِـكـلِّ لـونٍ مِنَ الأزهارِ والأحلى هِضابُ وجئتكِ حينَ أسْهدها عُيوني من الدَّحنونةِ الجذلى عِتــــابُ تُذكِّرني بــِوادي السَّـلطِ حيناً وحيناً كيف دَغْدغَهُ الضَّـبابُ وحيناً عنْ وفاءٍ كادَ يُـنْـسـى...
أرْخي جـديـلَـكِ َظـلـِّـلي إيثاري = ردّي إلـيَّ مَـلامِـحـي يــا داري ردّي إلـيَّ سَـنــابـلي وَبَـيادِري = عُــشّــاً لـقُـبّـرَة ٍتـَـلُـمّ بــذاري عُشّاً لِعصفورِ تَحَشْرَج َصَوتهُ = ردّي اليّ مِن َالصّدى قـيـثـاري ردّي الــيّ صَــبابة ًبَـيْــدَ ْرتـُـها = بين اغْـتِـرابـي واغْــتِراب...
" وأنا طفلٌ، كنتُ أقضي ساعاتٍ أمامَ المرآةِ أُقلّد الوجوهَ. ليس لأني أظنّ وجهي وسيماً لا أمَلُّ من التطلّع فيه؛ بل إني على النقيض لم أكن أتحمّله، ذلك الذي هو وجهي، لكن تقليد الوجوه كان يمنحني الفرصةَ لأُجرّب المختلف منها، الوجوه التي تظهر ثم تُستبدل للتوّ بوجوهٍ أخرى، حتى ظننتُ نفسي شخصاً...
أراها في يدِ النخَّاسْ ملثَّمةً بشالِ الرِّقِّ يَعْرِضُها على التُّجَّارْ! أراها -رغم شَلاّلِ الأسى المسكوبِ في العينينِ- فاتنةً.. يشدُّ جمالُها الأنظارْ تُهَمْهِمُ وهْيَ تنظرُ في وجوهِ الناسْ تودُّ فتًى يُخَلِّصُها تصبُّ هواطلَ اللعناتِ فوقَ أولئكَ الأشهادْ تقيءُ السُّخْطَ ملحمةً من الأشعار...
1 أنتَ أجَّجتَ التضاريسَ وسوّيت ثياب الأمّهاتْ ملجأً للحَجَرِ وتحالفتَ مع الأنواء أن ترغم للثعبان وجهي ثمّ لم تسكنهُ بعدي أيّها البحرُ الذي يهرم من شكوى سفينةْ يمرض الأمواتُ، تنحلّ المسافات ولا تخرج فينا؟ أنت أجَّجتَ التضاريس وأسْلمتَ الفصولْ لأراضي ذلك العامِ ولم تعبأْ بأخطار ربيعٍ نائم فيكَ...
تابع الفصل الثالث عشر - الأخلاق يشتهر المصريون بفضيلة الحب البنوي. وقد سبق أن ذكرت الاحترام الظاهر الذي يؤديه الولد إلى والديه. ويظهر المصريون أيضاَ احتراماَ زائداَ للمسنين وبخاصة المشهورين بالتقي والعلم. ويعتبر حب المصرين لوطنهم وعلى الأخص مسكنهم صفة بارزة أخرى في طباعهم. ويخشى المصريون على...
عرف الناس طه حسين كاتباً وقصاصاً وعالماً وباحثاً وإسناداً ومربياً ووزيراً، ولكنهم لم يعرفوه شاعراً، ومن هذا المقال سيعلمون أنه عالج الشعر في صباه ثم انصرف عنه في شبابه. فلو ظل يعالجه لظفر بالأولية فيه كما ظفر في كل شيء. بدأ معالي الدكتور طه حسين باشا حياته الأدبية شاعراً لا كاتباً. فلهج بالشعر...
كانت حانة درا كتوس فيما مضى مجمعاً للأدباء والوجهاء يلتقون فيها كل مساء يقضون شطرا كبيرا من الليل يتحدثون في مواضيع شتى ويتبادلون النوادر والفكاهات. وكان بعض الكتاب يحرر فيها مقالاته آلت ينشرها في الصحف. ومن هؤلاء محمد بك المويلحي صاحب جريدة مصباح الشرق التي كانت تصدر وقتئذ. وكانت بينه وبين...
أريد أن أموت قبلك. هل تظنين أن من يأتي فيما بعد سيعثر على من رحل من قبل؟ لا أظن ذلك. من الأفضل أن أُحرَق، وأن تحتفظي بي في إناء فوق الموقد في غرفتك. وينبغي أن يكون الإناء مصنوعًا من الزجاج، الزجاجِ الشفافِ الأبيض حتى ترينني في داخله. ها أنت ترين تضحيتي: تخليت عن أكون بعضًا من الأرض، تخليت عن أن...
كنا صيادينَ وجامعي ثمار حينما دعانا النيلُ لنؤنسَ وحدَته بالحياةِ على ضفتيه وقليلاً قليلاً تعلمنا الزراعة إلى أن أصبح النيلُ بنا يداً خضراءَ مبسوطةً بالخير وفكَّرنا بأن نفعل شيئاً يعجبنا أولاً في هذه الواحةِ المُحاصرةِ بالصحراء فبنينا أهراماً ثلاثة وشيَّدنا مدناً ومعابد وتعلمنا القراءةَ والكتابة...
أعلى