في هذا الليل البري البارد والهادئ والمخيف والممطر بهدوء، كنت أسمعه يأتي خفيفاً من بعيد ، كأنه صوت طائر محبوس ، أو صوت لكائن آخر لا أعرفه ، لكنه صوت أنيس يشبه الموسيقى أحياناً، وأحياناً يشبه الرنين البعيد . أسمعه الآن وأنا أرتجف برداً بعد أن ترجلت من سيارتي التي هوت في منحدر صغير وسط براري...
قالت رأيها و مضت , بعد أن ضغطت على جبهتي بطرف إصبعها الدقيق . قالت ذلك بتعبير وجه محايد لكن فيه جمال . كنت في الغرفة أتأمل عين امرأة تبحلق في وجهي المتعب والغامض . عين والهة , عين واعدة , عين حالمة. تشعر أحيانا أن عيون النساء مثل قطعة ليل , قطعة موسيقى , قطعة فن .
كنت أتأملها حين تذكرت الموقف...
امرأة بيضاء البشرة ، ممتلئة الجسم بغير سمنة ، لها شعر أسود ينسدل على كتفيها ، سكنت البيت الاسمنتي الوحيد المبني من الطوب ، بين بيوت طينية واطئة . أثار وجودها شهوة الرجال وغيرة النساء ، فبعثن أولادهن الصغار لاستطلاع أمر المرأة ، التي سكنت البيت الاسمنتي وحيدة ، تنتظر قدوم زوجها .
لم تقتنع النسوة...
لا أدري لم غاب النوم عني هذه الليلة؟
تزاحمت الأفكار في رأسي كأنما هي صراع مجهد، يتناوب عامل التذاكر في حافلة النقل العام في ثمانينيات القرن الماضي،فأنا بحق ممن أدركوا قرنين من الزمان، يبدو أن لدي من المشاهد ما يجعلني أتمتع بنكهة السرد،هذه الليلة أدركني بعض القلق على الحديقة، أعمل في النهار معلما...
ما زالت المدينة تتثاءب في صبيحة أول أيام الأسبوع، وقد بدأت تفتح عيونها الوسنى على نهار جديد. الشوارع شبه خالية من المارة، والمحلات التجارية القليلة التي فتحت أبوابها لا تزال خاوية من زبائنها .
كان الأستاذ حسن يذرع السوق الرئيسي وسط المدينة متلفتا ذات اليمين وذات الشمال كأنما يخشى أن يضبطه أحد...
كنت سائرا في أمان الله سارحا في ملكوته الى أن اصطدم بكتفي رجل اصلع يرتدي نظارة سوداء ،ابتسم لي فابتسمت له ، ومضى كل منا الى حاله.
دخلت المقهى، اخترت ركنا قصيا ،أعطيت ظهري الى الجدار وهي عادة متأصلة في اخر نفق في اعماق اللاوعي ، طلبت قهوة وشرعت بتصفح جريدة بادئا من صفحتها الأخيرة.قافزا على...
شرب قهوته ، رمى ما في منفضة السجائر في سلة الأوساخ، دس علبة سجائره و قداحته في جيب معطفه الشتوي بعد أن اشغل سيجارة أخرى و خرج ببطء من البيت .
كان الطقس باردا بالرغم من أن الشمس كانت مشرقة .
أخرج سيجارة و اشعلها و راح و هو ينفث دخانها يشكر الله و يحمده لأنه لم ينس سجائره في البيت .
وصل إلى موقف...
نهضت في التاسعة صباحاً وذهبت إلى دورة المياه ، اغتسلت وعدت إلى فراشي، كنت على وشك الدخول في اللحاف الدافئ حين رأيت يدا بجانبي تمتد نحوي وهى تحمل ورقة بيضاء ، مددت يدي وتناولت الورقة لأقرأ : نحن مكتب الحقوق المدنية نطلب منك أن تحضر أمام السيد مدير المكتب في العاشرة صباحا .
الآن بقى ساعة على موعد...
هذا الرجل، وهو يُمسك بالفرشاة، يُمرِرُّها على الحذاء في تروٍ، يُحيل ذاكرتي إلى الشاب الألمعي، عازف الكمان، والمقاعد تتقاطر على ساحته. الفتيات والسيدات لهُن النصيب الأوفر منها.
تُناديني منال، أجذبُ مقعدًا إلى جوارها، تُقدمني إلى صديقتها صفاء. نظرتُ إلى عينها، تذكرتُ أنني قابلتها من قبل في...
لم أجد في حياتي لعبة إلا تلك الحيلة من التخفي وراء الدلالات واختلاق تلك الحكايات ؛ بعضها من عالمي وكثير منها نسجه خيالي؛ أمسك بالقلم فأصوغها؛ في مرة قال لي يوسف ابن أخي جادو: عمي أنت حكواتي بارع!
انتبهت لمقالته التي أدهشتني؛ كيف له أن يربط بين الحكي والبراعة؟
ابتسمت له؛ انتبهت لكلمة ألقى بها وفر...
عزيزي يوسف
لا أعرف تماما لماذا أكتب لك هذه الرسالة، ولا أدري لماذا اخترتك دون غيرك من بين جميع أصدقائي لأوجه لك هذا الخطاب. ولكني على يقين تام بأنك كنت تربك هواجس نفسي لا شعوريا، حين كانت تحلق أفكاري على مساحات الوحدة والانطواء، التي لفعتني بظلالها القاتمة وأنا أنتظر دخول غرفة...
دخل قاعة الدرس بهدوء وأغلق الباب من دون صوت، كان الطلبة يتقاذفون بكُراتِ ورقٍ مليءٍ بكتابات دروس أخرى، ولكنهم كّفوا عن إثارة الفوضى وجلس كلٌّ في مقعده، ثم شخصت أبصارهم إلى الأستاذ الذي بدا كأنه يفككّ قنبلة موقوتة وهو يفتش حقيبته الدبلوماسية ليخرج مستلزمات التدريس، ثم أخرج كتابًا أسود ووضعه على...
تردد قبل أن يقول وداعًا، ثم لفظها بهمسٍ وهو يدير وجهه مبتعدًا عنها، بقيَتْ صامتةً لا تعرف ما تقول أو تفعل، فلم يدم اللقاء سوى دقائق معدودات، ذكّرها بأخطائها التي تسببت بحبسه وبتر إحدى رجليه، وروى لها - باختزال - كيف هرب من (سجن نقرة السلمان) بعد أن وشت بهِ تزلفًا للنظام وختم كلامه بجملة قصيرة...
يركضانِ بخطًى متباعدة وتتعثر القدم بالأخرى، وبالكاد يسقطان، فيتمسك أحدهم بالآخر ليواصلا الهروب من الأصوات المرعبة التي تلاحقهما، صراخ مستمر وعلى وتيرة واحدة منذ الفجر، لا يقويان على النظر إلى الخلف، ويعلمان أن الالتفات إلى الوراء يعني الموت، إذ إن المخلوقات الكبيرة ذات الأشكال الهلامية الناتئة...
كفراشة تتطاير جاءت تهمس للنسمات، أحبه. لم ترتدِ ثوبا طويلا، بل قصيرا كأيام الشتاء، يشد خصرها خيط بنّيٌّ مخالفا لون حذائها البيضاء، غزالة طرية لا تعرف غير الابتسامة، حتى وقعت بين يدي قاتل مأجور، أول عملية إجرامية ارتكبها هي أن قتل أحلامه و وأد أمنيته البكر "الحب" ثم عمد لصوته فعقد أوتاره.
التقت...