العمارة هذه الأيام صامتة كالقبر، ليس لأنها بلا سكان، ولكن بسبب الأرملة التي سكنت حديثاً فيها، أرملة في أواخر الثلاثين من عمرها، نصف جميلة، نصف أنثى، ذات أصابع مدببة قوية، تبدو مرهقة رغم حركتها النشطة، عيناها خائرتان، ووجهها مكفهر، لذلك فهي ليست السبب المباشر لهذا الصمت الذي تلحفت به العمارة منذ...
كانت لي يدان، كانتا جميلتين صغيرتين ناعمتين. لم استخدمهما يوماً في عملٍ شاق، فأنا الأخ الأصغر، أنا مدلل أمي وأبي وأخوتي وأخواتي. لم يكن أبي يصطحبني الى البستان أو يكلفني بعمل ما، وإذا ما حدث وأخذني معه فلأجل المتعة واللهو، فهناك أيضاً لم أكن افعل شيئاً غير اللعب. كنت أقضي أيامي في مدرسة القرية...
يا رب ... انها نفس الطريق الطويلة التى طالما سرت عليها فى الماضى البعيد . لم تتغير كثيرا . لا اكاد اصدق نفسى ... ها هى ذى البيوت عن يسارى لم تفقد رواءها القديم كثيـــــرا ، و هذا هو " الرياح التوفيقى " عن يمينى لا زال يتدفق بمائه بين ضفتيه الضيقتين ، طيبا حنونا كما عهدته قبلا ، ثم لا أرى بعد ذلك...
لم تكن لي رغبةٌ أن أستقلَّ الحافلةَ رغم حبي لتلك الرحلاتِ القصيرةِ التي تتيحها لي في طريقي إلى العملِ أو الجامعةِ أو أي مهمةٍ أخرى.. ولم يكن يوماً لسيارتي أيضاً لأنني أردت أن أُمَتِّعَ جسدي بالحركةِ التي كاد أن ينساها في الآونةِ الأخيرة ..
دراجتي التي كانت تشتاقُ مثلي لأن تلامسَ الطريقَ ،...
"كان ذلك مختلفاً
صباي كان وقتئذ
في ريعانه
وأنتِ"
(سافو، شاعرة قديمة).
سيراها تأتيه في الليل. سيراها ترتدي جلباباً أسودَ طويلا، سيراها تضع على رأسها شالاً يميل إلى البياض.سيراها تدخل إلى شقته تجلس معه.
من قبلُ، رآها أيضاً.رآها أفعى سوداء اللون، أفعى نحيلة. ورأى، هناك، في منزلها، رأى أفعى...
أمضي في شوارع لا أعرفها، واسعة بلا حدود، ولا أحد غيري في كل هذا الفراغ المظلم، فمشيت متوجسًا في منتصف الشارع، أملًا في أن يدلني أحد على بيتي. عندئذ ظهرت سيارات كثيرة وانطلقت في اتجاهي.
إنهم لا يضيئون أنوارهم حتى أراهم، فقط يهددونني بالموت المباغت في كل لحظة، وكنت اتفاداهم مذعورًا، بلا ثقة في...
تمنى لو شُلَّت يده قبل أن يصفعها تلك الصفعة القوية على وجهها والتي أسقطتها أرضًا وأدخلتها في نوبة جنون مفاجئ جمعت فيها بين البكاء والضحك زاحفة على الأرض نحوه لتلف ذراعيها حول ساقيه وتهزَّهما بقوة وهي تصرخ:
"أحبك ... أحبك"
لماذا لا تنشق الأرض الآن لتبتلعه أو تبتلعهم معًا بعد أن فجرت قنبلتها...
لم يستطع في تلك الليلة النوم لفرط سعادته، ولم یکن یصدق متی سیطلع النهار لكي يخرج بطابته، التي جلبها له اخوه ذلك المساء، الی بیادر القریة ویلعب بها مع رفاقه کرة القدم.
في منامه، کان یمرر الطابة بقدمیه الصغیرتین بین اقدام الاطفال ویصل بها حتی یدخلها الهدف، کان القرویون جمیعهم، رجالا ًونساءاً،...
هربت من جحيم الحرب اللعينة مع بنتها الصغرى تركت كل شيء خلفها، الأرض المحروقة ، الحيوانات الأليفة و كل مغتنياتها، لم تحمل معاها غير ذكرى سوداء مرعبة سطر في كتاب الموت الغادر، على صفحات من الدم و الدموع، قاومت الحياة و المتاريس استقر بها الحال مجبورة خلف المدينة في رواكيب صغيرة تستظلي بها من هجير...
الإسكندرية وقت الحرب العالمية الثانية - عام 1942
تحرك الرجال في عصبية، حاملين ملفات كثيرة، أخذوا يتفحصونها بعناية، بعضهم انجليز والبعض الآخر مصري.
المشكلة أن معظم غارات الألمان على الإسكندرية في ذلك الوقت؛ غارات محكمة، تصيب الأهداف الحربية إصابات مباشرة، مما يدل على أنه يوجد جواسيس للألمان...
حين انتهى من كتابة الرسالة وأيقن أن كل شيء قد انتهى، انتبه إلى وقع خطى شبح المرأة الغريب وهو يجتاز الممرات بين الغرف صانعاً دوامة من ريح خفيفة اهتزت لها ستائر النوافذ وزجاجها ومزاليج الأبواب وأرجل الأرائك وأسلاك المصابيح وتحرّٓكت بتأثير منها صحائف الطعام والآنية والقدور والملاعق والسكاكين في...
في منتصف أبريل… هناك أسفل يمين أرنبتي، تبزغ فوق شفتي العليا ، شامةٌ موسميةٌ، بطعم التوت..
تعود الحكاية عندما كنت جنينًا أنام في جوف أمي، يومها أيقظتني رائحة زكية، إذ مرت بي قرب بيتِ عجوزٍ، تتدلى من سوره عروق التوت الأسود، كانت في منتصف السابعة عشر من سنيها، فكرتْ لو تَشبّثتْ بحافة السور، لكن...
يمر الليل ثقيلا، عيناها اللتان تنتظران مجيئه تتعبان، تتألمان، لكنهما لا تنطبقان، تطفو جل الافكارو التخمينات في ذهنها، اكثرها تشاؤما، و بعدها المتفائلة تحل محلها" لم يفعلها قبلا، في المرات السابقة كان عندما يخرج من القرية، يعود قبل مغيب الشمس، اليوم استيقظ باكرا، كان متجهما كأنه رأى حلما مزعجا،...