بأرهاج مات
أحمد وحيد في غرفته، يشبك يديه إلى الخلف؛ كما يفعل "كولومبو" حين تحيّره جريمة بوليسية. وبذهول يرنو إلى أفقِ في داخله، متذكراً، عبر ومضات سريعة، حياة أخيه الكبير ("الأب الصغير" كما يحب أن يسميه).. مضى على موته الآن عامان. نخره مرض السرطان كما السوسة. أصابه في مقتل، ومات متأثراً به...
نهضت احلام و انتفضت من رمادها. عانقت ألوان الحياة. فتحت الغرفة التي اغلقتها على نفسها منذ أيام.وسارت نحو الشاطئ، ملطخة ببريق موادها الملونة. كان كل من في البيت نائما. إلا قطتها، التي تبعتها. كان الوقت فجرا، بدأ الليل يتراجع
ويسحب سواده وكان النهار يسترق اللحظات ليمد شعاعه في الكون.
كان الطريق...
بعد انصرام اكثر من عام على رحيل (أمها )الى حيث اللاعوده طلبت مني ابنتي (الوحيده) ان نذهب الى المقبرة، لزيارة (امها).. هناك في المقبرة الفسيحة المترامية . جعلت اختلس النظر، خائفآ. كما لو كنت متلبسا بجرم ، انظر الى صفوف القبور العديدة ،المتجاورة على هيئة رفوف ترابيه متماسكة ، مخبأة في ظلامها البشع...
نظر إليها عن كثب، بدقة، ظل واقفاً، وظلت ترضع طفلها بثدي ذهبي..كان نور مصباح الشارع يسقط بزاوية على الأرض، وهي التي اختفت خلفه نسيت أن تخفي ثديها من شعاعه المستقيم...كان ثدياً ذهبياً حقاً، ذو حلمة وردية مكفهرة بالحمرة فبدت برتقالية في نتوئها الصغير الذي يلقمه الطفل مغمض العينيه ويمجُّه بفم معقود...
"يقول لي السيد دوماً، أن القدر طبخه على نار هادئة..وأتذكر نصيبي من كلامه هذا.."..
"لن تكون اكثر الخدم كسلاً هنا في هذا القصر"..
ترد عليه دائماً هذا الرد الذي لا علاقه له بكلامه. لكنه عموماً يتقبل ردها، إذ لم يكن يهتم بما لو كانت تستمع له أم لا.
"أنتِ ككلب السيدة"..
تبهت هي وتتسع عيناها، تقول:
"...
عمود إعتاد أن يكون على الجانب الأيسر في صفحة من جريدة ربع سنوية، ينتظر ولادة ظهوره ليس فرحا بنشرة إنما ليرى تأثيره على من خاطت السلطة أفواههم بأسلاك ذات فولتية عالية.. فباتوا لا ينبسون بحرف ولا يكتبون، كأن أصابعهم صارت حكاية لكل من يراها، يُفهم أنها كانت في يوم تعزف على عيوب السلطة فالبسوها...
في تلك الساعة من الظهيرةِ التي تفرق دمُها بين عفاريتِ الوحشة والمعاناة ، باغتنا ثمةَ إحساسٌ مفاجيْ أخذ يتحولُ لاحقاً إلي ما يشبهُ اليقينَ ، بأن الحياة قد أوشكتَ علي الزوال، وأنه لم يكد يتبق من عمرِ الزمانِ كلهِ سوي بضع ساعات ليتلاشي كل شيء . كانت ذراتُ الرماد العالقةِ في...
السَيْفُ فِي الغِمْدِ لا تُخْشَي بَوَاتِرَهُ = وسَيْفُ عَيْنَيْكِ فِي الحَـالَيْنِ بَتَــــارُ
الشاعر: إدريس جماع
كانت الأيام تجأر بالشكاة، لا شيء يردها إلى الاتزان والسكون، وكان الرهق ووطأة الحياة يختلسان مِنْ الأحياء ماء العيون. وكان عادل جرقندي ساعتذاك .. فتًى قويا موفور الصحة، عظيم...
الجزء الخامس من قصة مجنون و باري
توقف الراوي ليومين عن الكتابة، وترك شخصياته في سراح من قيد حروفه . سعد في مغارته يعني العزلة والهروب ممن يبحثون عنه لارجاعه لمستشفى المجانين، أو لتسليمه للجهات المعنية. يخربش في أوراقه الكرتونية، يحاول تذكر ملامح أحلام، والطريق المؤدي إليها بعد غياب دام سنوات...
ألقمني والدي المهنة البائسة التي كسرت ظهره وظهر حماره، كانت مهنة والده من قبل، يفخر به كأنه أورثه مهمة السقايا والرفادة ببطن مكة... نشأت بين زريبة لحمار وعلف نتن أزحف على أرض خشنة يغطي رؤوسنا سقف من بعض قطع بلاستيكية، هواءنا يختلف عن بقية البشر فبيتنا ههههههههه أضحك طويلا عندما اقول لأحد ما ان...
-إضرب..إضرب على القفا.. إضرب بقوة..
كانت تضع رأسها تحت حافر الحصان، الذي استجابة وأخذ يضرب ضربات قوة أسفل جمجمتها...حتى تمزق جلدها وأنسال الدم ثخيناً، فمدت يدها المرتجفة وانتزعت الشريحة الرقمية الصغيرة، ودموعها لا تجف...
ألقت بالشريحة وأخذت تهرول خارجة من الاصطبل، لا تلوي على شيء.. ثم اقتحمت...
"أُوشْت أ ربي أُوشتْ"؟
كررت "ريف" العبارة بهمس مرة، وبجهر مرات حين عجزت عن فهم حقيقة الذي حصل لبلدتها الصغيرة التي حولتها الأمطار إلى مجرد دمار، وإلى مدينة غارقة في الوحل والماء، الأشغال التي راكمتها في الأشهر الأخيرة، وبسرعة فائقة، لم تكن سوى نَقْط عروس ليس إلا، استفاقت، بعدها، فإذا دنياها...
التصقت أحلام بأرضية الغرفة، والتصق جسدها بألوانها، واصلت لعبها مع الألوان، كانت الألوان تخاطب كل ركن من أركان روحها، وتمسح الغبار عن كل مساحة من جسمها. تنامت في جوفها رغبة في العناق، تلوت. وراحت تتمطّط تنصت لموسيقى جسمها الناعم. تجردت من الحضارة التي قمعتها، تجرّدت من ماضيها وانغمست في عشقها...