يُغني جابر وأنا من ورائه، على طول السكة من المدرسة وحتى وصولنا للعزبة. تسمعنا الصفصافة فيتوقف حفيف شعرها على خدّ الماء. نرى أعالي شجر الكافور في تقارب والتقاء. يُغني جابر نغمَ الحزن من مواويل أبيه الغاوي. كل يوم موال من أجل "مِنعم"، والزمن كان زمن غناء.
وفي زمن الغناء كنا نقترب من "مِنعم"، في...
عندما ندخل منطقة التغطية الكاملة للروح، لابد أن نتوارد هواتف الشوق، ولأن الحب ليس تعويضاً عن الأماكن الشاغرة في حياتنا، الحب الذي لا تشوبه تلك الأشياء، مثل الشك والخوف والريبة ن يبقى حباَ نقياً، يحمل معه شهادة ضمانة مدى الحياة.
ألا يكفي هذا ليكون تفسيرً لكل الإشارات الغامضة التي دفعتني لأتقدم...
خاَلهُ الناس مجنونا، عندما يأتي في كل صباح وهو يحمل شبه صندوق خشبي، فجأة يتوقف أمام الجدار العريض الذي أكلته الأملاح وبول المارة والكلاب السائبة، رائحته لا يمكن مجابهتها، لكن يبدو انه قد اكتسب المناعة دون أن يعلم، ضاع وجه الجدار إلا من رسم صورة شبحية المعالم تلك التي يجلس قبالتها، يضع ساق على...
أستضيء متوهما بشمعة وحيدة، أظنها تتراقص شعلتها مع انسلال هواء تائه إلى غرفتي، كأنها شعلة خالدة.. أو هكذا تبدو بسبب بطء انقضاء الزمن، فساعتي بلا عقارب.
أجتر الحنين إلى رؤية البشر.. يحدوني شوق عنيد إلى شعر امرأة باسقة تخطو واثقة ؛ أجعله ملحفتي في غشاء ليالي البلاختام. لا نجوم لها ولا قمر.. ليل...
بمجرد أن انتهيتُ من قراءة الرسالة القديمة؛ اشتعلت النيران في أعماق دماغي: لمَن كتبتُ هذه الكلمات دون أن أُرسلها؟ هذا خطي وهذا أسلوبي فعلا، والورقة كانت نائمة بين أوراق مُهملَة:
..
"وأنا مشحون بالغضب والسخط على كل شيء، يُمكنني أن أتوقع ما الذي سيكون عليه حالنا؛ لو أننا معا في فراش واحد، تحت غطاء...
أهديتُ ذات يوم وردة حمراء لتلك البنت التي أحببتها. الوردة كانت ملفوفة وممتلئة بالأوراق، وبها ذلك الغِنى العِطري الذي يشدُّ الحواس نحو الفضاء والأماكن البريّة. لحظتها تأملتْ الوردة وقالت إنها رائعة وأُنثوية! أذهلني وصفها العجيب فائق الحساسية، وبعد انتهاء لقائنا الغالي تمكَّنتُ، بطريقة ما، من...
حبّ
تستيقظ من غفوتها بعد أن تحس بثقله على يدها، تزيحه ببطء وحذر، تئن قليلًا ثم تعض شفتيها لئلا توقظه. على رؤوس أصابعها تغادر الغرفة باتجاه الحمام، الخدوش تملأ جسدها، وبقعة زرقاء تميل للون الأخضر على يدها مكان رأسه. تتفقد وجهها في المرآة، تطمئن أن البرودة التي تعشش تحت جلدها لم تترك أثرًا ظاهرًا...
يَمرُ الوقت لأن يطيبُ له ذلك، مُستهزئاً من العيون الشاخصة على الساعة والدقائق: قد يفي بوعده، قد يأتي، بلى! سيقرأ لي كثيراً عن كل الأبطال الذين لم ألتقِ بهم في حقول طفولتي، وحكايا الزهور والبطلات اللاتي يضحكنّ من على مراجيح الفرح والسعادة الأبدية، وتكون الشمس حاضرة في زوايا الصفحات، لا تختفي...
ظلّ قابيل سنوات، يعاني من مشاكل نفسية معقّدة، بعد حادثة قتله لأخيه. لم تكفّ أمّه حوّاء عن رجمه بالشتائم والدعاء عليه بالهلاك، كما أنّ أباه قاطعه نهائيّا، وقال له:
- اخرج من بيتي.
فخرج من بيت أبيه آدم مهموما، واعتزل الناس، كان يرى فيهم مجلبة للحزن واليأس، ويذكّرونه بدم أخيه.
نصحه أحدُ أحفاده، من...
جاوز السبعين عاما من عمره المتليف هما، ركب الموت صهوته متى ما أعياه التعب حوله، يُلَوح له بسيف المنايا، يراه هو ثم يستعرض وجهه بابتسامة خالية من طعم المرح، فقد ضاعت بين أخاديد وجهٍ تموج قهرا من عدم تغيير حال، رافقه كهف فم مظلم بعد ان فقد كل سكان باحته، فما عادت تضفي بياض أمل، فقالت:
أتراك...
تحت شجرة مصممة على هيئة تمثال بوذا عالية وضحوكة حيث تتساقط زخات من العصافير وتمارس أعراسها اليومية دون مبالاة بقوانين البشر وكوابيس الواقع السريالي، تحتل إمرأة حيزا ضيقا مليئا بالخرق وبقايا أدوات بشرية فارغة من المعنى
تحدق في ذؤابة الشجرة كما لو أنها أم العصافير الأولى إستحالت بفعل الزمن...
- لقد تحرش بي
حين قالت ذلك انفجر زملاؤها في الدراسة ضاحكين..
صاحت بألم: أقسم لكم انه تحرش بي..
فزادت ضحكات الشباب... واحدهم ضرط... وسقطت اخرى على بطنها...
اخذت تبكي ويخرج صوتها كعواء الذئب: اقسم اقسم..
كانت اقبح فتاة يمكن رؤيتها في العالم.. لها ساقا جرادة، وصدرها ممسوح تماماً من اي تطور هرموني،...