الدقائق التي تسبق الغروب، يعمه الاِرتباك، يستبد به خوف، يتقلص فيه اكثر من جانب، ويصل إلى هاوية الخذلان وكأنه يودع شيئاً عزيزاً مبهما. يسارع إلى مقهاه المفضل حيث يتوسط شارع الأطباء، ليرقب كل حركة، ويتفحص كل خلجة، ويحلل كل صوت..
سيارات وزعيق ومرضى ، رجل مجنون يرمي الزبد من فمه، قدح شاي لم يزل...
أشعة الشمس اللاهية تلفح خديها وتضرب رأسها، استحال وجهها إلى اللون الأحمر القاني، تلهث مع قفزات الساعة متوجهة إلى عملها، يأخذ جمالها العيون، يجذب النظرات النهمة، تبدو شامخة كملكة، أحاطت نفسها بحاجز فولاذي يتقافز عليها التائهون في سحر خمائلها، تتوارى برودة حياتها خلف ذكرياتها الدافئة، تردد لحنا...
في ذلك الزمن البعيد ، الموغل في القدم ، إصطحب درويش إبنه معه خارج المدينة .
كان الأب يلبس جلباباً عتيقا لكنه نظيف وتفوح من نسيجه رائحة الخزامى، و يرتدي قميصاً تقليديا برزت ياقته البيضاء من عنق الجلباب ، أما الإبن فكان يلبس جلباباً على اللحم يصل حتى منتصفي ساقيه النحيلتين كساقي لقلاق لم ير...
الشهادة
لكي تكون كاتبًا، فى الزمن الحالي، لابد أن تتريث قليلا، وتبحث لنفسك عن وسيلة ناجعة – لا تتوافر بسهولة -إنها الإجادة، الشيء الوحيد، الذى يسعفك، ويمنحك جواز المرور فى هذا الزحام، مبتعدا بك عن مخاطر الفشل،
يحدث ذلك-غالبا- فى لحظة استبصار، في أثناء ترددك حيال هذا العالم المدهش الذى تريد طرق...
تدلى ألرجلُ ألضخمْ على حبل المشنقة برغبةِ موت جامحة بعد أن أزلت ترباس المشنقة بهدو وخبره . كان موته جميلاً، لذيذاً و مخملياً فقد مات بانتعاش بارد. كان ذلك عند الساعة السادسة صباحاً. بعد ذلك مباشرة تم تجهيز الرجل الثانى ، سمعته يصرخ بهلع أمى .. أبى ... يا ناس ألحقونى .. أنا بريء. نظرت اليه من كوة...
هم يسمعون طرقي المستمر على الباب، ويفتحونه باستمرار، ولكن لا أحد يراني، لم أصدق أنني صرتُ لا مرئياً، ولا أعرف كيف يتحول المرئي إلى لا مرئي؟ أليس من المفترض ألا يرى اللامرئي حتى ظله؟ فها أنا أرى ظلي، ويديَّ وقدميَّ وبقية أعضائي، حتى وجهي في المرآة، أراه كاملاً لا يشوبه أي نقص!
*
لثلاثة أيام تحت...
هناك حيث خيوط عزلتي المحتدمة تشابكا وقفت احل عقدها.. ظنا أني قد امسك برأس خيط يقيني عزلتي التي ما ان ادخلت إليها حتى اغلقت كل نوافذ الضياء، رحبت بها بداية غير اني لم اعي أني ادخل عالم موءود كل جدرانه مساحات معتمة.. جدت في يقظة من ظن اني سأعيد تلوينها هكذا؟!! يا لخبلي اراني مجنون وقد اطلت شعر...
بلغ قمة الجبل رغم قساوة الصخور وكثافة الأشجار وسقوط المطر بشكل متقطع وظهور بنات آوى من حين إلى آخر.
هكذا كان مسكونا بارتياد القمم الوعرة موقنا أن الله قريب جدا من الجبال الشاهقة وبمقدوره أن يتجاوز شرطه المحفوف بالنقصان والمزالق ويرى الله جالسا على كرسي من الذهب الخالص محاطا بسرب من الملائكة...
شرعت عجوز الحارة، التي تعطني قرصًا من المخبوزات تصنعه بنفسها كل صباح، مقابل أن أصيح وأنادي باسمها، كلما مررت أمام نافذة حجرتها السفلية، أو حتى وأنا داخل الحجرة!
ذات يوم قريب بقدر خطواتها القصيرة، قررت أن تفتح النافذة.. تتمنى لو تجلس خلفها كما هي معتادة مع أمطار الشتاء، وطرطشات المياه التي حتمًا...
تلك أنا
لا جدوى من البحث.. لا بحث.. لا جدوى، قوافل دموعي اختلطت برماد نفسي، فهل يتمخض عن هذا المزيج إلا الألم؟
أمام المرآة أقف.. أحاور هيكلا بت أستنكره، هل أنا وهمٌ يبحث عن حقيقة؟ أم أنني محض دمية ورقية صنعها بهلوان محترف يجيد الإمساك بخيوط أكاذيبه؟!
لا كهنة بابل ولا آشور أو فرعون كانوا...
كنت في مستشفى عين شمس التخصصي اليوم لإجراء بعض التحاليل لقياس الدهون الثلاثية والكلسترول بالدم.
صالة العيادات كانت مكتظة عن آخرها. قليل من المرضي يضعون كمامات على أفواهم وأنوفهم. ربما هذا مشهد معتاد في مكان يعج بالمرضى، ولكنه حفز في ذهني صورة مرضى الكورونا، التي أراها على قنوات التلفزيون...
جيوش من الإحباط تتسرب إلي روحه.. كل شئ حوله يتشكل علي هيئة فوهة مدفع .. تنطلق متوجهة إلي رأسه: "وسائل الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعي.. أحاديث أمثاله من الشباب.. أحوال البلاد" - كل شئ حوله يجعله يفقد جمال الحياة ويستصغرها في عينه.. ينشط فيروس الإحباط في رأس "كريم" فيُحطم مناعة روحه تماما...
في كل مساء تتقلب على فراشها شبه عارية، بعد ان تاخذ زينتها مَحِلها، تراقب ميل الثواني حيث يتسارع بالقفز كدقات قلبها الذي ان أرادت له الاسراع قَلَبت نفسها على فراشها لأكثر من مرة، ليبدو لها أنها تجري ليتسارع بدورهِ قلبها في نبضه، يعلنها انه ربما سيتأخر رغم مُضي الوقت، تشعر بالامتعاض، تُبدد ذلك...
كان يتقدمها على الدرج المعتم، ممسكا بشمعة غافية الضوء، نبهها إلى صوت الحذاء ذي الكعب المعدني العالي، انثنت تخلصه من قدميها في صمت، فانسدل شعرها برفق. همست..
هم نائمون؟
فتح الباب بحرص، انساب إلى الداخل برفق. بنفس الحرص أغلق الباب. على المنضدة ثبتَ الشمعة في طبق بلوري صغير. تماوج ظلاهما على...
يوم وُلدِتْ أشباحُنا
كنا، بعد كلِّ اشتباكٍ أو غارةٍ نقوم بها، نعود إلى ثَكَناتنا وقد استخفَّ بنا المرحُ، والفخرُ بقدراتِنا كذلك، الذي كان يصلُ بنا إلى حدِّ التيه، فننفصلُ تمامًا عن ذكرياتنا- التي كانت في البداية ملاذنا- وعن ذواتنا وما بها من مخاوف وأحلام، وحتى عن جروحنا، التي كنا نعالجُها،...