سرد

دكان فقير بمصاطب لجلوس الزبائن، ومرآة مطوّسة مثبّتة على الحائط الطيني المقشور، أمواس ومقصات ثلمة على رف تحت المرآة، وفوطة بالية معلّقة على مسمار مدقوق في الحائط. يبدو الأسطى محمود مضطرباً. هو مفرط في نحافته، ينحني على رأس الزبون مِن فرط طوله، يحلق ذقن أحدهم، يتركه قليلاً لينظر متلصصاً مِن الباب،...
استيقظَ مبكرًا ومُستبشرًا، كعادته كل صباح. مسحَ أميرُ الحكاية بظاهر يديه آثار حلم الليلة الماضية عن عينيه، وأجال بصره فيما حوله يلملم أشلاء حياته بوعي اليقظة ويقيم صُلب ذاكرته. هذا جناح نومه في القصر . هذه هي مملكته الصغيرة التي لم يعد يذكر كيف أو متي آلت إليه أو ماذا فعلَ لكي يستحقّها. لا يشغله...
منذ الساعة الثالثة بعد الظهر وأمينة في عراك بينها وبين نفسها. فمرة تقوم لترتدي ثيابها وتعد نفسها لملاقاة (صادق). ولكنها لا تلبث حتى تلقي الملابس وترمي أدوات الزينة مهتاجة الأعصاب ثائرة النفس. فإنها لا تريد لقاءه ولا تبغي أن تشاهد وجهه ولا أن تستمع إلى حديثه، ولا أن تبادله ذياك الحديث. فقد أصبح...
كان الشيخ مرسي غانم - أو الشيخ النزهي كما يسمونه في القرية - جالساً مع نفر من القرويين ينصتون بانتباه للعمدة وهو يحدثهم نفس الحديث الذي يقصه كل ليلة منذ انتهى إليه أن سعادة المدير ونجله سيشرفان القرية ليقيم بها الابن بضعة أيام إراحة لأعصابه كما أشار الطبيب. وكان العمدة يتحدث في هذه الليلة بحماس،...
كانت شغله الشاغل! كانت تملأ أحلامه، وتحتل كل حنيةٍ من قلبه، وكان له قبلها حبيبات كثيرات من حبيبات الضرورة اللائى يعرضن في حياة الشبان، ثم ما يلبثن أن ينطفئ، كما تلتمع الشهب وتتلألأ، ثم ما تلبث أن تنطفئ، ويكون أحدها صاعقة تنقض على أحد فتسحقه. . . فلما عرفها، نسي هواه القديم الموزع، ووهبها حبه...
في ليلة قمراء من شتاء 1929 بينما كان حيّ المهاجرين (في دمشق) يرفل في حلل الرخاء والترف، ويجر أثواب الدعة والنعيم، ويثب من الطرب، ويمشي على الذهب.. وبينما كانت قصوره البُلْق تشتعل بالكهرباء فتأتي في الليل بالنهار، وشوارعه المتوازية الصاعدة إلى سرّة الجبل تتمايل أشجارها تمايل العروس، وتلوح...
"لو كنت حصاناً لأطلقت رصاصة في دماغك!" لماذا حصان؟ لم لا يكون كلباً، أو قطة، أو جرذاً، أو أي شيء آخر إذا كان من الضروري يكون حيواناً ليجوز إطلاق الرصاص في دماغه؟ منذ بدأ يعي معنى الكلمات - لا يذكر متى بالضبط - وهو يسمع هذه الجملة من بين أسنان أبيه. لقد كان غريباً حقاً لأن أباه كان الإنسان...
أنا الساكن الوحيد في هذا العالم المسرع، لم أبرح مكاني حينما نبت الشوك، حتى صار مذاق شفتي مرا فلم تقبل الحياة فمي. أوصدت باب اليقين في قلبي فصار الشك أرضا لي، ومذاك روحي تبتعد، كلما أقدمت في المضي طرقت الأسئلة قلبي. أرخيت ستائري فجاءني الحب يمتطي ضوء النهار، لم أدرِ أن انكساري سيفرق الضوء بهذه...
جاء ليفوز. جالساً علي ركبتيه ، مصوباً نظره ناحية البحر ، راسماً لنفسه سيناريو الفوز ،أن تنطلق استغاثة لفتاة تغرق، وبشهامة ابن الريف، يندفع من بين جموع المصطافين ، المتفرجين علي الشاطئ، وهي في أنفاسها الأخيرة . وكأمهر سباح. مارس السباحة منذ الصغر ، لا كهواية ولكن ليصطاد السمك، ليطعم أخوته...
أرخى الليل أستاره السود القاتمة على دنيا غضبى تزمجر في صوت عاصفة هوجاء، وسماء ينهمر منها سيل دافق، وقد قر كل إنسان في داره، ونامت الحياة في كل حي، والفتى جالس إلى موقد في زاوية الحجرة، تغمره لجة من الأفكار المضطربة، والخواطر المتناقضة، فتحجبه عن دنيا الناس. لقد رأى نفسه تعصف بها حادثات الأيام...
كان في أقصى الصعيد نجع قريب من الجبل يسكنه جماعة من فقراء الفلاحين وبينهم بعض الأعراب الذين سكنوا القرى المصرية واعتادوا حياة الريف والاستقرار، ولكن لم تتبدل فيهم غرائز البدو وعاداتهم الموروثة. وكان في النجع بدوي شيخ قد ناهز الثمانين، أسمر البشرة، حديد البصر، اسمه (رحاب)، إذا مشى خلف جماله اطرق...
بين الأزهر وبين القرية، يولد طالب العلم كل يوم مرة على تجارب لم يشهدها وحياة لم يألفها، في تلك المدينة التي يختنق صوت المؤذن فيها بصيحات المعربدين الفجار، والتي لو بعث فيها اليوم منشئها الأول جوهر الصقلي لما وجد فيها مكاناً يأوي إليه، ولآثر عليها منادمة منكر ونكير. . . ويوم غادر الشيخ عبد...
تمر ترعة الكامل بقرية (س) وهي قرية صغيرة من قرى الصعيد، فتشطرها شطرين غير متساويين، فقد جارت على الجانب الأيسر بقدر ما أضفت على الأيمن، فاتسع هذا واستفاض حتى أصبحت منازله وبساتينه ونخيله وأعنابه لا يحدها البصر ولا تحصرها العين، واستدق ذاك واستطال حتى قامت منازله الصغيرة على شط الترعة ذليلة...
أحاول أنْ أفسرَ ما حدث، فلا أجد له تفسيراً، ولا أتمنَّي أنْ أجد له تفسيراً. كل ما أتمناه أن تعود اللحظة بكل ما فيها.. برغيف العيش والملح والغرفة العارية، ممزقة الطلاء. تعود بذهاب أموالي وأحوالي التي أنا فيها الآن. فطعم عصير الليمون في فمي حَتَّى الآن مقطوف من فِردوس الكون. أنا الْمَاء، أحتضنها...
- يالله ! ..هو ذا يحل في بلدتنا رزء جديد.. - ما الخبر؟! - إنه ابن "ربيعة".. يرحل و نكهة لبنها لم تغادر ضرسه بعد..لم يمض على عرسه أكثر من ثلاثة أشهر.. اصطحب عروسه و رحل هناك إلى الشمال يدفعه طموح وإثبات للذات؛ لكني أظنه يلتمس لروحه بعض السلام. - أراكُنّ ممتقعاتِ الوجوه.." الله يسمعنا...
أعلى