كنت أُطِلُّ من الشرفة وكانت تقف بجانبي ، أمامنا الشاطئ برماله الصفراء وأمواج البحر الصّاخبة ، قالت لي أو لعلها كانت تحدِّث نفسها :
ـ سأرمي بنفسي من الشرفة ٠
لم أحمل كلامها محمل جِدٍّ فقد كانت ثملة، وقلت في نفسي : لو اِختلطت دِماؤها بحبَّات الرَّمل لبدت هذه الأخيرة مثل الكريات الحمراء في الصُّورة...
لا أعرف ما الذي شدني إليها؟ هل بطء خطواتها؟ أم لون “الإيشارب” على رأسها؟
أنا أسيرة الألوان وتداخلاتها، السيدة التي كانت تسير أمامي، فقد وجدت نفسي أستحضر “أمي” رحمة الله عليها، وأتذكر كيف كنا نشترك كل عيد أمٍ في أختيار لون “إيشارب جديد” من محلات ميزران وعباية جديدة لها، حتى أصبح الامر عادة نشترك...
كان ميداناً فسيحاً، وكانوا يسمّونه " النقعة"، قبل أن يبدِّل الظالمون اسمه إلى " الساحة الشعبية"! كانوا صغارا. وكانوا يهبطون إلى " النقعة" صباح مساء، يمتّعون النفس بمشاهدة القوم في طربهم ورقصهم. كان مهرجاناً عفوياً يسمونه"اللعب": يُمَه.. أنا ماشي اللعب.. يُمّه.. أنا كنت في اللعب!... واللعب،...
كنا نجلس ثلاثتنا على الأرض في ركن الزنزانة البعيد، نشعر بالإرهاق بسبب عدم النوم ليلاً طوال عدة أيام، كنا نشعر في تلك اللحظة بهدوء غريب، ربما من فرط الإرهاق الذي يخمد فيك حتى الرغبة في التفكير. قمنا بعمل اقتراع سري على حبة سجائر إضافية لمن يستطيع أن يخمّن نوع التعذيب الذي سنتعرض له هذه الليلة...
كم كنت سعيدا وانا ألعب على فراش النوم الذي كان يجمع العائلة بأكملها بغرفة وحيدة بالحي المغربي بجرادة. ككل ليلة كنت في كامل انتشائي نتيجة لسخاء أبي الذي كان يجعل مني أغنى طفل قبل النوم. كان يمدني بما نسميه اليوم ب"فلوس الجيب" كي اتصرف فيها كما احب. حينها كان بالإمكان أن نشتري حبتي حلوى أو علك أو...
في الاتصال الأسبوعي ، وحين تلتقط بعض حديثه مع ابنتيه الصغيرتين، تسمع حديثَ قلبٍ لم تهزمْه الأيام.
البنت التي تقاسمُ الثالثةَ عشرة براءتها، العاشقة لفرقة ( بي تي إس) يطمئنُها بأنه ما زال متحمّسًا لتعلّمها اللغة الكورية، والأخرى الأصغر التي تسأل بحُرْقة عن صُورها وهي صغيرة، لم تخطئها...
قالت :
- "خذني معك !"
قبّلها ، واعتذرَ بظروف السفر وارتباطات كثيرة تنتظره :
-"سأنشغل، ولن أجد وقتًا للتجوّل سويّا في تلك المدينة الغريبة !"
- "طيّب ... هذي أول مرة تبعد عني أكثر من نهار .."
كتَم بعض كلماتِها بشفتيه، وبقُبَل لم تتوقف، حاصر فمَها النابض بقلقها، وأجرى للخدين ما فاض بين الشفاه ، كان...
بدأ فورانه اللاهب مبكرا، وظهر جنونه بالنساء مع أولى تحولات البلوغ. كانت التغييرات البيولوجية تدق بابه عنيفا،وهو يستجيب مستريحا لهذا العالم الجديد، مرهقا جسده فى خيالاته الملعونة. قبلها أيضا، وفى صباه المبكر كان جريئا، يجيد الإستماع إلى الحكايات العاطفية، وسرديات الجنس التي لا تنتهي .عندما يحصل...
عندما قال لي أنه أيضًا طبيب، جاءني صوته غائرًا ممطوطًا كالآتي من عالم آخر. كان لا يزال محدقًا في الحجر، والجمرات المتوهجة عليه، تلك التي يقلّبها بماشة نحاسية صفراء، مشرشرة من الأمام، ومشغولة على رسم امرأة عارية من الخلف.
يمص أنفاس المعسل فيتوهج الفحم، ويشع ضوءًا يصبغ وجهه بحمرة النار، والمعسل...
أنا ذاكرة مفقودة، امضي وقتي عابرةً الشوارع المؤرشفة في ملفاتي كل يوم باحثة عن جسد كنت خزانة لحظاته ذات عمر، أراقب المارة وأتبين ملامح وجوههم لعلها تطابق شخصية كنت خاصتها،مضى الكثير من الوقت و أنا على هذا الحال حتى أنني اعتدت الأحياء التي تجولت بها و اعتدت أهلها.
ذات لحظة ومض سؤال حيرني: لمّ كل...
خرج من ( البنك) بفم جاف وشفتين ملتصقتين بأحكام كما لو أنهما فرج مومس بعد انقطاع العادة الشهرية. رأسه فقمة متجمدة تعلو كتفيه المتهدلتين. عيناه فارغتان من الايمان بكل قيم العالم.
حسابه البنكي تعوي في غابته المعدنية ذئاب الإفلاس .
الميت ممدود على سجاد يعج بالثقوب. ينتظر ثوبه الجديد . الكفن الذي...
نظرت إلى عينيها الجميلتين، كبيرتان براقتان، لا تعبران سوى عن الحب والحنان. ابتسامتها لا تزول، لا خبث فيها ولا تصنع .. ابتسامة تكفيك لأن تبقى فرحا طوال اليوم.
حضنتها .. قبلتها بابتسامة مرتجفة لم يعهدها ثغري.. وراح قلبي يلذغني كأنه ينوي التوقف في أقرب لحظة.
ورغم هذا واصلت احتضانها والتبسم في وجهها...
ما انتابنِي وقتها شعور بالحاجة!
كنت صغيرا على التعبير آنذاك ولا زلت، لكن، مُذ دخلت تلك المدرسة الإعدادية وأنا أذرّع الساحة بعينيّ الصغيرتين، أختزِل الوجوه بحثا دون جدوى، كان يوما شاقا ومُتعِبا للغاية.
ما الذي أتعبني؟ !!!
لست أدري.
لكنه استمر عقدا من الزمن . وأظنني سأسرد ما لم أسرده يوما هكذا...
كان شديد العناية بهندامه واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحد اين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلات يسارية نحو (ليبراسيون)...