كم كنت سعيدا وانا ألعب على فراش النوم الذي كان يجمع العائلة بأكملها بغرفة وحيدة بالحي المغربي بجرادة. ككل ليلة كنت في كامل انتشائي نتيجة لسخاء أبي الذي كان يجعل مني أغنى طفل قبل النوم. كان يمدني بما نسميه اليوم ب"فلوس الجيب" كي اتصرف فيها كما احب. حينها كان بالإمكان أن نشتري حبتي حلوى أو علك أو...
في الاتصال الأسبوعي ، وحين تلتقط بعض حديثه مع ابنتيه الصغيرتين، تسمع حديثَ قلبٍ لم تهزمْه الأيام.
البنت التي تقاسمُ الثالثةَ عشرة براءتها، العاشقة لفرقة ( بي تي إس) يطمئنُها بأنه ما زال متحمّسًا لتعلّمها اللغة الكورية، والأخرى الأصغر التي تسأل بحُرْقة عن صُورها وهي صغيرة، لم تخطئها...
قالت :
- "خذني معك !"
قبّلها ، واعتذرَ بظروف السفر وارتباطات كثيرة تنتظره :
-"سأنشغل، ولن أجد وقتًا للتجوّل سويّا في تلك المدينة الغريبة !"
- "طيّب ... هذي أول مرة تبعد عني أكثر من نهار .."
كتَم بعض كلماتِها بشفتيه، وبقُبَل لم تتوقف، حاصر فمَها النابض بقلقها، وأجرى للخدين ما فاض بين الشفاه ، كان...
بدأ فورانه اللاهب مبكرا، وظهر جنونه بالنساء مع أولى تحولات البلوغ. كانت التغييرات البيولوجية تدق بابه عنيفا،وهو يستجيب مستريحا لهذا العالم الجديد، مرهقا جسده فى خيالاته الملعونة. قبلها أيضا، وفى صباه المبكر كان جريئا، يجيد الإستماع إلى الحكايات العاطفية، وسرديات الجنس التي لا تنتهي .عندما يحصل...
عندما قال لي أنه أيضًا طبيب، جاءني صوته غائرًا ممطوطًا كالآتي من عالم آخر. كان لا يزال محدقًا في الحجر، والجمرات المتوهجة عليه، تلك التي يقلّبها بماشة نحاسية صفراء، مشرشرة من الأمام، ومشغولة على رسم امرأة عارية من الخلف.
يمص أنفاس المعسل فيتوهج الفحم، ويشع ضوءًا يصبغ وجهه بحمرة النار، والمعسل...
أنا ذاكرة مفقودة، امضي وقتي عابرةً الشوارع المؤرشفة في ملفاتي كل يوم باحثة عن جسد كنت خزانة لحظاته ذات عمر، أراقب المارة وأتبين ملامح وجوههم لعلها تطابق شخصية كنت خاصتها،مضى الكثير من الوقت و أنا على هذا الحال حتى أنني اعتدت الأحياء التي تجولت بها و اعتدت أهلها.
ذات لحظة ومض سؤال حيرني: لمّ كل...
خرج من ( البنك) بفم جاف وشفتين ملتصقتين بأحكام كما لو أنهما فرج مومس بعد انقطاع العادة الشهرية. رأسه فقمة متجمدة تعلو كتفيه المتهدلتين. عيناه فارغتان من الايمان بكل قيم العالم.
حسابه البنكي تعوي في غابته المعدنية ذئاب الإفلاس .
الميت ممدود على سجاد يعج بالثقوب. ينتظر ثوبه الجديد . الكفن الذي...
نظرت إلى عينيها الجميلتين، كبيرتان براقتان، لا تعبران سوى عن الحب والحنان. ابتسامتها لا تزول، لا خبث فيها ولا تصنع .. ابتسامة تكفيك لأن تبقى فرحا طوال اليوم.
حضنتها .. قبلتها بابتسامة مرتجفة لم يعهدها ثغري.. وراح قلبي يلذغني كأنه ينوي التوقف في أقرب لحظة.
ورغم هذا واصلت احتضانها والتبسم في وجهها...
ما انتابنِي وقتها شعور بالحاجة!
كنت صغيرا على التعبير آنذاك ولا زلت، لكن، مُذ دخلت تلك المدرسة الإعدادية وأنا أذرّع الساحة بعينيّ الصغيرتين، أختزِل الوجوه بحثا دون جدوى، كان يوما شاقا ومُتعِبا للغاية.
ما الذي أتعبني؟ !!!
لست أدري.
لكنه استمر عقدا من الزمن . وأظنني سأسرد ما لم أسرده يوما هكذا...
كان شديد العناية بهندامه واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحد اين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلات يسارية نحو (ليبراسيون)...
وقف بسيارته الرباعية الدفع عند حنجرة الربوة المترامية الأطراف، يتأمل الأخدود الذي نحتته يد الخالق بين الهضبتين في لوحة ساحرة. تسارعت الذكريات تباعا إلى ذهن سعيد و هو يرتعش بين يدي الفقيه الفظ يتلو عليه ما حفظ من القرآن في الأمسية الماضية. تستهويه الذاكرة و هو يعيد نفس الفعل كل يوم بين يدي...
لم يبق أحد في البيت المجاور لمقبرة المدينة.
الله وملائكته جميعا رحلوا..
لم تبق غير روائح الشياطين المتعطنة. والخفافيش التي تملأ المكان بوطوطات مخيفة.
لم يبق أحد غير كائنات شريرة عمياء تتقاتل في الليل وتصدر أصواتا بشعة مقرفة.
القطة الأم بلكنة مرتعشة :
- أيها الملعون الفصامي
- ألم تخمش فرو أطفالي...
صمّاء.. وتسمع ما لا نسمعه
بكماء..وكلماتها مفهومة في كلِّ الأصقاع
صامتة .. وصمتها يروي ألف حكاية
تحكي بيديها حكاياتٍ متعدّدة التفاسير ويجوز فيها ما لا يجوز لذوي الألسن الناطقة.. وروايات الأصابع لا ضيرَ فيها ولا تطالها محاكم القضاة .. ولا تسجّلها دواوين التنصّت والاستخبارات!
حكايات تنسجُها...
الثالثة مساء
ندف الثلج تتدافع.. شهر يناير ذئب قطبي ما فتئ يعوي منذ أيام قلائل فوق أسطح البيوت القرميدية.
كان حاجز بلوري يفصل بينهما. كل يضع سماعة الهاتف في أذنه المستنفرة.
الكلمات تتساقط مثل أوراق الخريف من شفتي إبنه السجين.
الإبن متلعثما عيناه تحلقان مثل عصفورين مذعورن.
- لست أنا الذي رشق...