بعد الغروب، لزم الناس بيوتهم في حي النزهة بعمان، مع أن اليوم نهاية الأسبوع. فكانون الثاني هذا العام، منتصف السبعينيات كان أشد برودة من الأعوام السابقة.
أحضر مهدي، الطالب بالجامعة إلى غرفته عدة أنواع من الفواكه على رأسها الكستناء. عزم أن يقضي وحده ليلة مع فيروز، يستمع إلى أغانيها، وهي تنطلق من...
عَبْرَ الواتس آب، والفجرُ يحاولُ التسللَ من بين ظلمة الليل لينثر بهاءه على كل شيء، كتب لها:
حين ودعتكِ الليلة الماضية، وددتُ إخباركِ أن عينيكِ تائهتان في عتمة المساء، لكنهما مضيئتان من الداخل، بوابتان للأسرار، تخفي وراءها ما لا يمكن توقعه!.
ثمة نور تسلل منهما وقفَ فوق ضفاف قلبي، أكد لي أننا...
عندما التقت عيناه بعينيها الزرقاوين كعيون المها.. تسابق الريح.. تنطلق في هذه الصحراء الممتدة. شعر بالرمال تتحرك من تحته، وأن الصهد يطلع من قدميه الى رأْسه، وأن هذه الصحراء الفسيحة منذ أن رآها بدأت تضيق حوله لتختصر المسافات في الاقتراب منها واستنشاق عطرها هذا الذي يجيئه لذيذا كريح الصبا يرحل به...
ارسل ابي الشاب الختيار المسن نظرة ملأى بالحزن الممزوج بالأمل. شدّ على يدي الفتية القوية وهو يقول لي: لقد دنت لحظة الرحيل. حاولت ان اقاطعه معترضا فتابع يقول: لا تقاطعني يا ولدي. الموت حق وانا لست استثناء فيه. آبائي ماتوا واباؤهم ماتوا. اجيال واجيال مضت في طريق اللا رجعة.. طريق السفر الابدي...
أجفلَنا فتورُ الدهشة من عودة حبيبٍ كانت خطاه يومًا موسيقى الحياة. وقف عند العتبة واثقَ الشموخ، ورُحنا بخشوع البغتة نتأمّلها أمام شجرة العنب. ظلّت تشدو لها بصوتها العذب، ممتزجًا غناؤها بانسكاب الماء وخشخشة أكياسٍ ورقيّة تكسو بها العناقيد لتحميَها من الحشرات.
نعرف شغفها بتلك الدالية. نعرف كم كانت...
أيها الليل البهيم ،
يا صديقي ،
أيها الليل الصامت يعم نفسي ، يتخللها ، يسكت شكواها ، يخمد نارها ، لا يسمع أنينها ،.
أيها الليل الصامت كنفسي ،
أسألك ما سر الصمت الذي احتواك واحتواها ،
أسألك ما سر الظلام الذي دثرها فاستأنست به ، لا تريد الانبعاث .
يا نفسي ؟
كيف ضاعت منك عناوين الرجوع من مملكة...
استدار البائع قائلًا وفي نبرة صوته شيء من أسف:
- اللون الذي طلبته قد نفد، هل ترغب بلون آخر؟!. ما رأيك بالرمادي؟.
لم يسمع ما قاله البائع، إذ كان يحدق صوب فتاة تحاول العبور إلى الرّصيف المقابل، ترتدي فستانًا أرجواني اللون وعلى خصرها حزام أسود رفيع، قال بذهول محدتًا نفسه:
- إنها هي .. هي!
أسرعَ...
في عجالة من شدة غبطته بها بعثرها ، لم يلبث حتى تناثرت تحت قدميه فلملمها .. ثم نثرها .. وبعددها المهول تركها ، وأخد ينظر في المدى البعيد .
بين الحين والحين يعود ليلمس بأنامله الخشنة أطرافها ، في محاولة منه لبدء التوحد فيها ثم يعاود النظر .. يصطاد أحلامه البعيدة من عمر سنواته الأربعين - ترى فناء...
عضها الفقر بنابه واختطف الموت ابويها البائسين وهى طفلة، فكفلتها عمة غليظة القلب، اضطهدتها واستبدت بها واذاقتها صنوف العذاب،
لا حيلة امامها سوى الصبر على الهوان، دفعت بها للعمل كخادمة فى البيوت، لا تلتقى بها إلا أول كل شهر لتقبض المرتب، سنوات عذاب تتوالى وتكبر البنت، وتعي مايدور حولها واضطهاد...
لم يَشْتَرِه أقرنَ، ولا أملحَ، ولا ناعِمَ الفروةِ، بل اكتفى بالمرور أمام مرائبِ المدينة، والتفرج على جمهرة المتهافتين على شراء كل أنواعه من سرديّ، وبركيّ، وبجعديّ، ودمّاني، وكذلك وكيليّ، وتلك عادة درج عليها منذ سنوات، يكتفي دائما بعيش أجواء العيد، دون ممارسة طقوسه.
هو يمارس لعبة الحياة، بإيقاع...
هبط "الثو:ار" في جنباتها،في بيت يلاصق بيتها،شعرت بهم منذ سمعت لجلجة أصواتهم،أطلت من شرفة منزلها المتواضع،رأتهم،ثلة من الشباب في مقتبل العمر يحملون البنادق على أكتافهم،يتمازحون،يتحدثون،يعبئون أمشاط الذخيرة،يصوبون...أغلبهم اطلق لشعر ذقنه العنان بشكل مهذب...لباسهم الانيق أسود...وجعبهم المليئة...
ــ قد أفهم أن العيون تقهرك بنظراتها فتعشقها ويقتلك حبها ، لكن كيف يمكن أن تحب الألسنة ، فهي في أغلب الوقت تختفي داخل الفم ولما تتحرك تنطق كلاما سيئا جارحا ؟.
ــ إذا نطقت بكلام سيء ، آكلها وألتهمها .
ــ اللهم قني نظرات الأعين ، وكلام الألسن .
قلت تأكلها ؟ هل أنت من أكلة الألسنة ؟ هل تستطيع ذلك ؟...
في بيتنا قطة سوداء؛ صارت ذات نفوذ؛ همت أختي بطردها؛ سيما وأنها تسرق أشياءها، أفقدتها ثوبها الأرجواني؛ جعلت منه كرة تتقاذفها وتركلها فترتب على ذلك أن كسرت آنية الطعام واحدا وراء الآخر؛ تذمرت أمي من هذا الكائن الذي ضرب نظام البيت دون اهتمام بما نحن فيه من عنت، تموء في ساعة متأخرة من الليل؛ نصاب...