سرد

ـ 1 ـ لم يكن الوجه الكـُمَّثري ، سوى حفنة من ملامح َمرسومة بعناية على لوح وجه طفولي جميل . عيناه النضَّاختان بالكاد تطلان من محجريهما الصَّغير؛ فيرمق بهما أضواءَ شارع صفراءَ ، مدفونة في ضباب شفيف . فبين الحين و الآخر كانت تمتدُّ إليه يدٌ مكدودة ، لتعيد الغطاء إلى مكانه ، وتدفع عنه زفير القرِّ...
حين رأينا (عبسي) عائداً من عمله، بهيئته المضحكة، كعادته عصر كل يوم، تمكّنا من كبح جماح الشيطنة والعبث التي كانت تصول وتجول وتصهل في دمائنا، وامتنعنا عن مضايقته ومطاردته؛ امتثالاً لأوامر إمام الجامع التي أطلقها مساء أمس أثناء خطبته الطويلة المتشعبة. وبدل أن نزعق بالعبارة التي تثير جنونه ونحن نحوم...
لم يكن يعلم بما سيحدث له . وبأنه سيواجه اليوم نهارا مختلفا ، له رائحة النعناع ومرارة العلقم . اختلف الرواة والمحدثون في قصته ، ما بين مؤيد ومعارض . وما بين مصدق ومكذب . أما الطرف الثالث فقد كان ينكر وجوده أصلا ، ويعتقدون بأنه شخصية لا وجود لها إلا في عقول المروجين لقصته . مسحت جدتي دمعتها بطرف...
بعد معركة ليلية .. نَهَضَت من فراشها لتفتح الباب .. كانت أجفانها منتفخة مما يدل على نوم عميق بعد إرهاق ومجهود كبير... وهناك خطوط على ذراعيها رسمتها ملاءة السرير ، أدركت أن المعركة كانت شرسة جداً... وأن عشيقها لا يزال يغط في النوم بعد تلك المعركة... يبدو أنني جئت في وقت غير مناسب ... كان وجهها...
جئت من الحقل متعب من عمل يوم شاق جلست في كوخ جدتي لارتشف معها القهوه لعلها تنسيني ما مضى من تعب وتلملم شتاتي. كانت جدتي كثيرة الكلام وانا لا احب الثرثرة، ينبعث من هذا الكوخ رائحة الطين المعتق مع رائحة القهوه كان عالم لوحده جدير أن يسبح بك في عوالم و حضارات اندثرت وأخرى على وشك...
في طفولتي.. لعبنا لعبة غريبة لمرة واحدة، فقد اجتمعنا – نحن الاخوة الخمسة - لتوقع من منا سوف يموت أولا.. وقتها كان أحد أعمامنا قد مات قبل اجتماعنا بيومين، وتجمع أبي وباقي الأعمام والعمات للقيام بواجبات الدفن وتلقي العزاء، مما حفز لدينا محاولة استقراء الغيب وقراءة المستقبل.. فتوقع أخي الأكبر أنه...
- 1 - يبدو أنّ ساكناً جديداً حلّ في البيتِ المقابلِ لشرفتي ، كالعادة فهو طالبٌ جامعي ، منذ ثلاث سنوات ، وفي مثلِ هذه الأيامِ سكنَ ذاك الذي عشقته ، و هزمَني ، أنا التي ما خسرتُ حرباً ، أنا المدججة بأقوى الأسلحة ، أسلحة كثيرة و قوية ، هزمتُ كثيرين في المدرسةِ ، في الشارع ، في...
جميلةٌ كانت كامرأة بل ومُلفتة ، كغجريّةٍ فوضويّة الملابس ، تجذبك ألوانها الفاقعة وزينتها اللمّاعة . عيونُها المفتوحة لا تعرف الوجل ولا ما نسمّيه الخجل ، ترقب عيونك لتقرأ فيها استحسانك أو استهجانك ومن ثم إقبالك أو إدبارك . وعندما تراك تغور بناظريك في فرجة قميصها ، عندها تتذكّر أنّ أزراراً ما...
قرعت المرأة الشقراء جرس شقة أم صقر، تحمل علبة حلوى فاخرة بمناسبة شفاء أم صقر من وعكتها الصحية الأخيرة ، وهدية زجاجة عطر وبعض قطع الملابس النسائية الداخلية لأمونة . بكثير من الحذر ، استقبلت أم صقر وابنتها المرأة الشقراء ، أحضرت أمونة القهوة بكثير من اللامبالاة ، وبقليل من ابتسامة لا تحمل أي معنى...
يسير بمحاذاة الشاطئ، يحمل شوالا ثقيلا على ظهره الصغير، تبحث عيناه الذكيتان عن زبون، حين يتوسم في أحدهم الطيبة، يسرع نحوه، يبتسم له في براءة، يخرج بضاعته، يستفيض في ذكر محاسنها التي لا تملكها، لا مانع لديه من استخدام بعض القفشات الضاحكة، أو اللجوء للتوسل والكذب أحيانا، فلا يفاصله في الجنيهات...
وقَفتْ على شفتيه الكلمات للحظات ، تتنهد زفرات وجعه ، تبصر عيناه وميض طيفه يتداعى بين سهو ويقظة وهو يوصيه بالمحافظة على أملاكه من حقول العنب و أشجار التين و الزيتون وغيرها ، قال وهو على فراش الرحيل : أراهم جميعا كل من سبقني إليها ،أجد له وجها باسما ، تشع عيون الرضا من وجه أمي معهم… تمضي عدة شهور...
عاشَ النّاس في كنفهِ سنين لا يُعرف عددها، يلتمسوا من بركتهِ، ويستجدوا عونه و مدده، هناك يرقد الشيخ حسين في ضريحه الطاهر ، تحتضنه الحقول الشاسعة الممتدة ، في فضاءاتها السندسية ، تتماوجُ في ابتسامٍ ، بين ماء بحر يوسف وترعة سري، تشيعه عيون الفقراء عن بعدٍ بنظراتِ الاكبار والتوقير، و مع مطلعِ كُلّ...
عدتُ من يوم عملي الأول قبل نصف ساعة. يومُ عمّال البناء ينتهي في الرابعة تماماً. أستحمُّ وأذهب لبيت أحمد. لا يفارقني الشعور بالرضى عن النفس؛ أنني استحققت كل فلس من السبعة دنانير التي تقبع في جيبي الآن؛ فوق القلب تماماً. ربما أكون بالغتُ في إثبات أن بإمكان فتى مصاب بشلل جزئي في إحدى ساقيه أداء...
لم يكن في يوم يتصور نفسه يجيد لغة الحوار بعد أن أعتاد أن ياخذ طرق ملتوية للهروب من مواجهة التكلم مع أي صنف من صنوف من يتناولون المفردات بلسان أعوج، صاهر الكثير من الفتية الذي ابتاعوا ألسنتهم على يد فقهاء الحوار الذين يمجدون بالسراء والضراء محاسن ومساوئ ولاة عفروا الغبار فاعمى بصيرتهم وبصرهم فصار...
القذيفة المطاطية التي سقطت في فناء بيتنا على حين غرّة, أوقفتْ كلّ ما نبت على جسدي ورأسي! حتى تحوّلتُ إلى قنفذ, تكوّرتُ على نفسي كقلب دفاع, لعليّ أحمي أعضائي الداخلية النبيلة من خطر التهتّك, يقال: إن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم, هذا ما أسعفني به عقلي بعد المعاوضة التي أنهى فيها معركته ضد فعل...
أعلى