أوقف سيارة طاكسي . فتح الباب ، وجلس بجانب السائق . بعد التحية حدد له الوجهة .
مرت بضع دقائق . اشتكى للسائق من الحرارة المفرطة التي تعرفها مراكش هذه الأيام . رأى السائق بأن الأمر عادي ، والفترة يطلق عليها أهل مراكش شمس البلح . وهي الشمس التي تنضج تمر النخيل ، وقد تمتد إلى ما بعد أواسط أكتوبر ...
( القسم الأول من الفصل الأخير من رواية قصة الخلق )
لم يكن محمود أبو الجدايل يوما ضد الله أو ما يعبر عنه بأي مفردة لغوية إن كانت دينية أو فلسفية أو علمانية ، إنه وكما يعرف جميع قرائه ومتابعيه ، ضد ما لفقته عقول بدائية على الله كالكاهن عزرا وغيره من كتبة التوراة الكثر، تجاوز حدود الاجتهاد الممكن...
أتجنب النوم منذ أيامٍ بسبب كابوس فظيع، تكرر لعدد من المرات. كل شيء في ذلك الحلم يبدو حقيقيا: أنا هزيل جدا، أحمر العينين، وشاحب منهك القوى. معلق بأنشوطة وقدماي تتدليان مشيرتان إلى حذاء جلدي أسود لامع. ومن ثمة صوت انكسار مفزع يقودني إلى اليقظة فزعا متعرقا.
تزداد التفاصيل بتكرار الكابوس، يأخذني...
عالم الأرواح عالمٌ غريب، يضجّ بما يُثيرُ العقول ، ويُحفِّز الخيال ، ويبعثُ على الدهشةِ ، يفق عنده المرء مدهوشا محتارا ، لا يمكنه أن يجزم برأيٍ البتّة ، يطيش العقل الذي لا يقنع بهذا المتّّسعِ الفضفاض أمامه ، يسرح ويجول في مشاهداتٍ الجزم بماهيتها ضربٌ من الجنونِ .
وفي الرِّيف ، وفي أيامهِ الخوالي...
- اسمك الثلاثي؟
- غضبان عذاب الغضبان.
- اسم الأم؟
- عمشا المفتّح.
- مكان وتاريخ الولادة؟
- دمشق 1938
- المهنة؟
- حفار قبور.
- العنوان؟
- مقبرة الدحداح.
- عنوان السكن وليس العمل!
- نعم، السكن وليس العمل؛ أسكن في غرفة صغيرة في مقبرة الدحداح أنا وزوجتي.
- طيب يا سيد غضبان، منذ متى وأنتَ تعمل في...
وإذا كنت سأكتب قصة فلا بد من أنسنتها..، إذ لا سبيل إلى كتابة قصة بلا أنسنة. إن الطبيعة بأسرها، روتين ممل، تكرار لعلاقات واضحة، غير أن الإنسان هو وحده الأقل وضوحاً والأكثر غموضاً، ولو ولد جميع البشر وهم مصابون بالبله المغولي، لكانوا بالفعل جزءا من الطبيعة؛ إذ سيدخلون في حالة التكرار الطبيعية،...
الشّرطيُّ الّذي استوقفني في منتصفِ طريقي إلى عملي، كان فظًّا: سألني ما إذا كان اسمي عبد الهادي محمد أبو ذنب، وما إذا كان اسمُ أمّي وهيبة زيد المربوع، فتيقّنتُ أنّه أنا، وأومأتُ بـ«نعم»، فرفسني شيءٌ في ظهري، وسقطتُ على الأرضِ، وانهالت عليّ هراواتٌ ملساءُ وصلبةٌ، ثمّ فقدتُ وعيي .
صحوتُ في غرفةٍ...
يستقِلُّ الحافلة المتجهة ناحية الجنوب، ويبدأ إعادة خيط التفكير، يعود إلى أيامه الأولى، والوافدون ترتجف أياديهم وأرجلهم، يتوسلون عاطفة المكان. فتاة من قريةٍ نائية، عند سفح جبلٍ هندي، تسرع الخطى في صباحاتٍ مبتلّة لتعمل في مصنع شرائح البطاطس، وأخرى تسابق زخات المطر، قادمة من ريفٍ لايعلم بوجود...
يتأرجح بك القارب الذي تجلس عليه لأول مرة ، خائف من السقوط، عقلك يخبرك بأنه نهر وليس بحرا ، وإن سقطت فلن تتضرر ، ولن تغرق!
لكنك ما زلت خائفا من السقوط ، وممن يعيش في النهر ، من المياه ذاتها ، التي تحمل لون السماء المشربّة بالحمرة ، والأشجار الخريفية التي تعرّت من أوراقها طلبا للبرودة.
خائف من كل...
كيف تبدأ حين تنهزم في دواخلك كل الفضاءات؟ أشلاء ذكريات قديمة متناثفة كأنما أصابتها لعنة الإبادة، احلام مغناطيسية يوجهها صوت المذياع من خارج كومة نومك! خليط وسوسة يضاجع خلايا الدماغ يحتفل فيها النقيض بالنقيض..!
يا إلهي كل هذه الأمور تنشيء حصرتي!
صباح يشبه مبدأ الشيخوخة حيث يستوي نوم الليل بنوم...