قصة قصيرة

دعتني أمى وكانت عائدة من السماء ،معطرة ونضرة العينين لمجلسها ، قالت : خلاص روحك لن يكون فرديا ،لابد أن يمر بها كشرط. اعبر الجسر ، وأعلم أن الطيور الحذرة تسقط أكثر من غيرها. كان يجب علينا أن نجتاز هذا الجسر المتهالك المصنوع من جذع شجرتين ،بالكاد يتسع لشخصين ، نما إلي علمي ،أن لا أحد بمفرده...
عندما تصعد الشمس إلى كبد السماء، ويزاحم شعاعها ثنايا الأزقة والطرقات الضيقة في المخيم، فإن العيون المحرومة التي يسكنها الحزن الدائم، والوجوه الواجمة التي تحمل غبار المعاناة، مشتاقة دائما لسد أبسط الحاجات، وتبحث دائما عما يسد رمق أبسط الشهوات،لكنها تصطدم غالبا بضيق ذات اليد... ورغم إمتداد الحال...
نظر إلى شبحهِ المتضائل أمام المرآة في خيلاءٍ ، عدّل هندامه ، مدّ يده نحو عمامتهِ المكورة فوق رأسهِ الدقيق المدبب ، مسحَ طرفها بكفهِ، ثم رمى خياله بابتسامةٍ صفراء ذابلة ، تشبه لون سحنتهِ ، كان نور الصّبح المتكاسل قد تسلّل في الأفقِ؛ يكشف عن قبحِ البيوت الفقيرة ، ويظهر مأساتها التي ما إن تنتهي حتى...
– الغروب : مـدّت العجوزُ الحصيرةَ وضعتْ إبريقَ الشاي … لا تحبُّ أنْ تشربَ الشاي وحدها … تنتظرُ أولادها … تأخرَ الأولادُ … بردَ الشاي سخّنتهُ … تأخرَ الأولادُ بردَ الشاي سخّنتهُ … انتصفَ الليلُ …نامتْ وهي تنتظر . – منتصف الليل : لبست المرأةُ ثوباً أبيضَ وضعتْ أحمرَ الشفاهِ … لا تحبُّ أنْ تنامَ...
الساعة الرابعة أكثر وقت يستهويني للمشي أواخر أيام الخريف، وما من مرة مشيت مع لونا إلّا جنيت متعة لا توصف، إضافة إلى الرياضة الجسدية، والخروج من الحجر الذي طال أكثر من تسعة شهور، وقد مللت المكوث بين الجدران الإسمنتية بالرغم من أنّي لا أخرج كثيراً، لكن يبدو أنّه كلما أجبر الإنسان على شيء مقته،...
الطفولة في هذا المخيم بضع صور، بكاء وغضب ، وحليب ممزوج بإكسير الرجولة، وقدمان حافيتان تقاومان الحجارة والحفر، وعينان تلمعان براءة في والوجه الشاحب النحيف، وحرمان يدفع العربة إلى سوق الخضار ... تلكم هي طفولة أسامة وأبعاد مساحته وأطراف عباءته السوداء، لكن روحه الخفيفة ترفف، فتشد أطرافه إلى أعلى...
تزدحم الصالة من أول العصر وحتى منتصف الليل ، بكبار السن والشباب والفتيان والأطفال تأتي بهم أمهاتهم يصم آذاني صراخهم لخوفهم من منظر " السرنجه " . أنا مولع بزرق الحقن. منذ صغري. حلمت كثيراً أن أكون مضمداً. ولهذا الحلم حكاية سآتي على ذكرها فيما بعد. المهم إنني نجحتُ بولعي هذا من تمضية خدمتي...
لا ... لا تصدقه ايها الطبيب ، انه يمثل .. يبحث بأية وسيلة عن فسحة. رفع الطبيب رأسه و نظر الى الحارس وقال: فعلا انه في طريقه الى فسحة ، لكنها أوسع بكثير مما تعتقده . تسمر الحارس في مكانه وقال : أتعني أنه .....؟ - نعم . لكن كم قضى هـذا السجين هنا ؟ - ستة وعشرين يوما - فقط ؟ - انه سجين جديد قديم ...
لم يكن الوداع هذه المرة وداعاً بالروح والشعور، بل كان وداعاً بالجسد، فظن الجميع في رحيلها النسيان، ولكنها أبداً لم ترحل من ذاكرتي وأعماق قلبي، فهي باقية الدهر والزمان، وإن كان النسيان أمر فطري طبيعي، فلم تتوانى بأن تُودِع لي جسداً بريئاً صادقاً مؤنساً يُزهر الحياة جمالاً، ويبعثُ في آفاق عقلي...
في هذا المخيم، الاطفال يحدقون طويلا فيما يجري حولهم، وكأنهم يعبئون الذاكرة الغضة في الصور التي تحاكيهم ،ولا يفهمون ترجمة حروفها، أو حل الغازها، واذا ساروا في الطرقات يبطئون، لأن أقدامهم الطرية تتحسس شوك الواقع بالفطرة البريئة،هكذا هو حال إياد، الذي دخل ربيعه السابع على وقع دموع أمه التي ثكلت...
ربّما تجمعني أشلاؤها حينَ تمزّقنا وحُكم علينا بالرّقصِ... إغماضةُ العينينِ سماءٌ قبلَ الخطيئةِ والحقولُ أنثايَ، العبثُ الضّحكُ، إيقاعاتُ إلهٍ مخمورٍ لا عهد له بالطّين. وكان لا بدّ من إقحام الشّيطان في اللّعبةِ. الكونُ هروبٌ. الهروبُ جبنٌ. الجبنُ ليس أنا. أنا متجلٍّ أحصّلُ سوءاتي من عرقي وأتكفّلُ...
في القطار الصاعد الى أنقرة ، لاوجود لمقعد شاغر ، أكتظاظ يشبه ما قرأناه عن حشر يوم القيامة . بصعوبة جلستُ على أرضية القطار قرب فتاة صومالية، ترتدي الجنيز وكنزة صوفية رمادية ، كانت جالسة على حقيبتها الكبيرة . في البدء تصورت أن أحدهم سينهض من مقعده ويجلسني توقيرا لكبر سني ، غير أن لا وقار يمكنك...
دقاتُ ساعةِ الحائطِ التي تواجه فراشَها صارت كمطارقَ من الصلبِ تدقُّ رأسَها بلا هوادةٍ، مزَّقتِ السكونَ القاتلَ الذي يُحيطُ بها، فتحتْ عينيها المُجهدتين اللتين لم تريا النومَ منذُ أوتْ لفراشِها عقبَ صلاةِ العشاءِ كما تعودتْ في السنواتِ الأخيرة.. توقفت الساعةُ التي أعلنتْ عقاربُها عن تمامِ...
فقد عقله بات يحاكي أطراف جسده تارة يلعنها ويسبها وتارة يواسها بقوله: ليس بيدي لقد فارقني التوازن يعد أن أطاحوا برأسي عن جسمي... زنزانتي التي لا ارى فيها سوى العتمة ولا أسمع سوى هسهسة أو عرير فما أن يبدأ حتى تدق أجراس رأسي بفقدان بندولها الذي يتخذ من صفائح صدغِ المشروخ صداعا لا ينفك يفتك بما...
أعلى