ومع أنّ النافذةَ افتراضيَّةٌ، فإنّ القَتْلى حقيقيُّون.
خالد سليمان الناصري
1ـ انتهت الحرب
لقد انتهت الحرب. لكنَّ القنابل لا زالت تتساقط داخل رأسي.
لو كنا في عالم افتراضي
لكنتُ مسحتُ زجاج النافذة المطلة على بيتك بجريدة إلكترونية
ولنمتِ الوردة البلاستيكية التي وضعتها على قبر أخي.
انتهت...
بكماء
ابتلعت لسانها عن قصد
حتى أنها لا تجيد الصراخ
استبدلت الكلام بطائر
كل صباح ينقر زجاج الغرفة
كشفرة مورس
أنقذوا أروحنا أو أنفسنا
تتلاطم الأجساد العفنة
لتقيم حفلات تعارف
يشربون نخب الهراء
كؤوس من المنظفات السائلة
لا تلتصق بها جرائمهم
ثم يدنون لعازف الموسيقى
لسماع صرخات ضحاياهم
وعند الخاتمة...
كان الليلك أشد حلكاً من الغيم الرمادي...
يد الطير ضباب...
فم الفراشة بئر...
عين الريح حقل...
ملامح الوردة نار...
صوت المدى ماء...
ضحكات الشمس خوف...
وقلق الغابات زمناً بألف رأس للفناء...
كان وجهك كالقمر تحت البحر...
كلما بكى اتسع الضوء وكبرت اللآلئ الفضية داخل المحار...
في تربة يديك أصل اللغز...
أرى أفكارنا ترفرفُ عاريةً
أما الكلام فما هو إلا
رداءٌ لطيف
أحياناً الدخولُ في التجربةِ
ليس معصية
إنّما تصحيحٌ لمسار الريح
أرى وجهَكَ قمراً مستديراً
و عينَيكَ كواكبَ مستنيرة
لكن ألا تخطئُ أحياناً الرؤيا
أرى البلادَ آيلةٌ إلى رماد
و أرانا نحترق
دون أن يبكي بشرٌ علينا
أرى الأرض قد ضاقت بنا
و...
كنت صبياً رائعاً
وكانت خطتي أن أصبح ضابطاً مهماً في الأمن السياسي ،
وأن أنمي موهبتي في الكتابة
وأنشر قصصاً وروايات تضاهي مايكتبه وجدي الأهدل وأحمد خالد توفيق ..
كنتُ صبياً جامحاً
وكانت خطتي أن أتزوج بفتاة زرقاء العينين
وأن أصلح ضرسي المعطوب قبل حلول العشرين
في الخطة أيضاً
أن أسافر إلى أميركا...
فتشيرُ بإصبعك إلى صدرك الفواح : هنا مكانكِ دائماً!
هكذا
تصير الرائحةُ إلهة تنفخ في طيني،
فأعيش،
وأتقن كيف أصمت في كنف الحديقة الحزينة ،
المثيرة مثل عيون الأفارقة في حقول القطن!
الباعثة على الطمأنينة مثل أغنياتهم.
أتقمص عينيك المرهقتين!
لأخطف من السّحر سطوعه ، وأبثُّ الدفءَ حيث العظم المتُشرّبِ...
كنا حبيبين،نحمي برجنا العالي
كنا نسافر من حال إلى حال
الحب كان بقلبينا يحركنا
نحو السعادة نلهو مثل أطفال
كنا نبارك دقات تحط بنا
في أي وضع جميل بعد ترحال
تلك المسافة ضمتنا،ورافقنا
فيها السرور بملء النفس والبال
كنا نداعب معنى الحب نمسكه
في كل جولة إدبار وإقبال
قلت احتويني فهذا الوقت من عجل
قد يذهب...
أترجم توأمة الشجر و العاصفة
كما تتلو الهستيريا
و تنثر علي الشعر حروفه
حين يأتي الوحي
و يرقص الحالمون
لم تجد معي الريح خوفا
و لا أمانا
أترك للشط بكائي
و للنهر ظلي
و أتلاشي في أغنية قديمة
تفوح منها حكايات النيل
أخدش البراءة
و أجوس الصحراء قاتلا قتيلا
كأي عود صبار
مل الإنتظار
منذ ذهب بمحض إرادته
و...
يفكّر الناس في حياتي كثيرا
هذه الأيام
يكورون الفكرة على السؤال
يكركبون الليل
يسألون عن الطفل الثاني
لم لا يجيء؟
يسألونني أيضًا
لماذا أخرج إلى لغتي واضحة
كلعنة؟
لماذا أفرز الكثير من الأدرينالين
حين أمشي داخل أوراقي
حافية القدمين؟
لماذا حين أحبُّ كثيرا
أتعثّر أكثر؟
لماذا استعاراتي حامضة؟
وهل تغيّر...
إلى الفريق ونيس بوخمادة
حين غرقتْ بنغازي
في الرايات السوداء
صِرتَ رئتنا
وتحولتْ خطواتُك
إلى أشرعة
حين كنا ظلالا لأولادنا
كان أولادك يتشبثون
بظلك المنطاد
وحين بكينا رفاقك
كنت نهرًا
يشق صحراء الحلم
كل الذين وثقوا فيك
أزهرتَ في قلوبهم
وكل الذين بكوا رحيلك
سردوا سيرتنا
للضوء،
حين رحلتْ
وضعتك...