سرد

الهاتف لا يتوقف عن الرنين . رفعت هناء السماعة ـ صباح الخير ، خالتي عائشة . عرفتها من الصوت ، ورقم الهاتف ، ثم أضافت بغبطة ، قبل أن تسألها : ـ أمي وضعت مولودا صبيا . زغردت الخالة في الهاتف ، وتابعت : ـ مبروك يا بنتي هناء ، أصبح لك أخ ، يشد عضدك ويحميك . كيف حال أختي زهرة ؟ هل المولود في صحة جيدة...
كان عقربا منتصف الليل متعانقين حين تركت الغرفة ومن فيها، تلك الليلة المشهودة من أيام العطلة الصيفية. فرشت لحافا فوق الحصير بالهواء الطلق، وسط منزل الأسرة في البادية. تمددت على ظهري، يداي خلف رأسي، ورفعت عيني إلى السماء. لم أر شيئا سوى نور خافت، ينبعث من نجم هناك في السماء البعيدة، يراقص حبات...
من يدعي أن لك في الرؤى شبيه وإن كنت تحمل في ثناياك نرجسية أو غرور فستكتب قصائد في رؤاها حداثة الحرف والشعور تغار من تضاد حرفك ونوبة الجنون تطير في مواكب قوافل السطور على متون بحرها نوارس تعود من جديد ببال طفلها تسكن ظلالها من همس أو وجود تعانق المدائن . قوامها يلامس الشعور كنيسها يسابق الحضور...
الموج عاتي والسفينة خالية الصواري دُسُرها متآكلة تُبحر بربان كسيح الى الجزيرة المفقودة، كل من عليها يضمر شيئا فهم في عالم المباغتة وإن تشاركوا في مائدة واحدة فلا حرمة لملح وزاد، فعملهم يكثر فيه لواط الألسن حين يأتي الحق عاريا حتى بدون فتنة، والأغرب أنهم يبيعون غايات دون وسيلة فَهمِهم الذين...
بدأت الشوارع تضيق شيئاً فشيء كلما توغلت الحافلة السفرية إلى داخل البلدة، كان المطر ينهمر في غزارة والرعود والبرق تعصف في جنون كأن حواراً غاضباً يدور بين ماردين عملاقين عند سقف السماء؛ ليس حواراً بل معركةً في أوج إحتدامها! كلما أضاءَ البرقُ تكّشفت ظلال بيوت البلدة البائسة، كانت الشوارع خاوية من...
إنَّ المسرح الذي تتحرك جدرانه وتتراقص قاعدته، لا يمنحك كممثل القدرة على لعب دور جاد..إنه مثير للضحك..وهكذا اختار هذا المخرج المجنون أن يكون مسرحه كأغنيات تو-باك.. لقد ضحك المتفرجون حتى ضرط بعضهم، وتقيأ البعض الآخر وأغمى على الفتيات الرقيقات، ونحن نتأرجح فوق خشبة المسرح المتراقصة، نسقط يمنة...
إنها المدينة الفاضلة العالقة في ذهنك كم هي ذاكرة التفاصيل الجميلة عالقة... بعكس كل توقعاتك الواردة في مخيلة الأحلام وما لم تصدقه من نصائح أمتلئ بها رأسك الكبير العنيد حينا إقترب موعد رحيلك إليها آنفاً: الإنسان بينها بلسانه هو نقيض فكره أو حضارته؛ أو لا يمكن أن تكون كل تلك الحضارة المدهشة في نظر...
حارتنا محاطة بأسوار قديمة، كل الذين تركوا بصمتهم في التاريخ هدموا من أحجارها الكثير؛ والآن بوابة المتولي مصابة بداء جديد عجز الجميع عن معرفة أسبابه، سكن أبو النوام درب الدراويش على حين غفلة من أهله، جعلهم يتثاءبون كل لحظة، سرى النعاس إلى درب سعادة والسراجين وقلعة الكبش ودرب الهوى وحارة...
الحقيبة الأولى في ميناء "بني أنصار" ركن سيارته في ذيل طابور مع سيارات أخرى محملة يقودها مهاجرون عائدون مثله من ديار الغربة، بينهم نساء قليلات وراء المقود، وكل سيارة تتبدى من الخارج كما لو فرّت من مصير مجهول إلى مصير آمن، لذلك، فضلا عن بني آدم، هناك أحمال كثيرة داخل وخارج السيارة، بل وهناك...
لم يكن لأحدٍ في القريةِ ، أن يصدق هذا التحول المفاجئ الذي انتابه، فبعدِ حياةٍ قضاها في بحبوحةٍ من العربدةِ مُتسكِّعا ، أصبحَ " مرسي" بينَ عشيةٍ وضُحاها وليّا من الأولياءِ ، تتدلى مسبحتهِ الطويلة الكهرمان فوق كرشهِ ، وعلى شفتيه يتطاير غُبار الأذكار الملتهبة أينما سار، يغشى الدروب والأزقة في...
.. ثوانٍ ، بضع ثوانٍ فقط ، كلما حاولت أن أمر عليها عابراً .. فشلت ، ملايين الثواني مررت بها دون أن توقفني أوأشعر بها .. إلا هذى الثواني ، الزمن توقف عندها .. لتسبب لي صداعاً مزمناً وأرقاً .. قد يسير الزمن هادئاً بعذوبة ورقة ، يمر كنسمة فجر ندية .. وقد يثور كموجة خادعة تسحبنا في دوامة وتلقينا في...
ما ان وصل الى الزقاق حتى شعر بأجواء باردة ، رطبة ، تهجم على جلده ، تتسلل الى مساماته المفزعة المقشعرة ، رائحة عفن قديم ممزوجة برائحة بول كريهة التصقت بذرات التراب المشرئبة على الحيطان المتآكلة ، العارية .. والتي تساقط دهانها واصبح من الصعب معرفة الالوان التي دهنت عليها سابقا .. شعر بالدم ينساب...
بيب.. بيب .. إنه صوت إنذار المِصعَد الكهربائي بأنّ الحمل يفوق الثقل الأقصى المسموح ، وبالتالي سيبقى الباب مفتوحاً ولن يصعد بنا . بيب.. بيب .. بيب .. والضوء الأحمر المتوهّج على لوحته الإلكترونية ينذر الأشخاص الصاعدين بأنّ الوزنَ الجمْعيّ للراكبين تجاوز الحدّ الأعلى . بيب..بيب .. وكأنهم صمٌّ...
هناك شيء منك يضيء، فتنجذب له كل الفراشات المحترقة ، وتلوذ به كل بتلات الورد الهشة، والمتساقطة عن أمسية غريبةٍ، حتى الخيالات الأنثوية المجهولة. التي لا جسد لها. أهي تلك الشامة المنضوية في خدك الأيسر؟ أم عروق يديك الناحلتين المتصببتين عشقًا لكل ما يخفق بروحٍ؟ أهو صوتك العنيد الذي يبزغ في أوقات...
طيلة عمري، كنت أبحث عن جذوري في اللامكان، أحاول أن أرسم خريطة تيه، لا تتسع له الجغرافية. كان حلمي، وما زال، أن أدخل مدينة، أطأ ترابها، أجوب دروبها، فتتعرف إلي، تحضنني وتقول: "أنا بيتك، هنا ينتظرك عمر آخر... لا يهمني أين درجت وتسكعت، ولا من رافقت أو عاشرت، ولا من أحببت أو كرهت، إن وقعتَ ساعدتك...
أعلى