سرد

باب صالة الحفل لم يُفتح، بل انفجر، كما لو أنه بوابة قلعة محاصَرة. دخل سيادته، لا ماشياً، بل مترنحًا من ثِقل السكر، خطواته تميل مع الريح، ويسوقه خمره لا فكره. خبط الأرض بقدمه اليسرى خبطة حاسمة، وكأنه يطبع عليها ختم ملكيته المطلقة. خلفه تسيل حاشية من الكلاب، أنوفها تستنشق الكلمات قبل أن تُقال،...
في صباحٍ من صباحات إسكندرية مطلع القرن العشرين، والشمس تُطل بخجل من فوق البحر وتنسكب على الواجهات الإيطالية بشُرفاتها الحديدية المزخرفة، حي العطارين يعزف سيمفونية كتبها قلب المدينة. في الطابق الثاني من بيت عتيق، متآكل الأطراف، عظيم الجوهر، اجتمعت الحكاية. في هذا البيت، يسكن سليم أفندي المصري،...
في ليلة قمرية، كان الضوء الفضي يغمر الأرض، ويكسوها برداء من السكون المهيب. الهواء ساكن، لا ريح تهب، ولا صوت يُسمع سوى خفقان الصمت الشديد الذي يلف المكان. كان القمر في منتصف السماء، يشع نوره الباهت، كعين ساهرة تراقب الزمن. وفي أعماق أحد الأهرامات المهجورة، حيث لا حياة ولا حركة، بدأ شيء غامض...
في عالم يتغول فيه الغلاء ويكرس وقته وجهده؛ ليصل إلى أعلى المعدلات؛ لعله يدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية في الشراسة، يعمل عبودة باليومية، تتنوع الأعمال التي يقوم بها وتتغير كل يوم على أمل العودة بما يسد رمق أسرته، قال بمجرد ركوبي السيارة وهو يتبسم ضاحكًا : يا صباح الرضا يا هندسة، الغاز كله...
كنت أصعد المنحدر نحو حينا القديم في الصباح الباكر، رأيته يذهب ويجيء بين الأشجار التي وراء الفران، رغم البعد حاولت أن أتبين من يكون، كان طويلا نحيفا، يرتدي قميصا نصف كم وسروالا رياضيا، يذهب ويجيء وينحي ويبحث عن شيء ما على الأرض، لكنني لم أتبينه. حين اقتربت عرفته، ابراهيم الشاوش بالبلدية. توقف عن...
ألقمه جَدّه في يده .. ورقة مالية فئة( الخمسون قرشًا) وطلب شِراء عُلبة دخان وباكو شاي, ثم عودته سريعًا بما تبقّى منها, طوى عليها كف يده ليؤكّد له قيمة ما يحمله, إضافة لكلمات لا تخلو من إشارة برجولته الآن, وأن زمانًا قد ولّى بطفولته, أنفاس جدِّه ونظرات عينيه وخشونة يديه التي ما إن تركت يده حتّى...
دخل الأستاذ غرفة الصف والتلاميذ في صمت مريب. كان الأستاذ أنيقا، مستقيم القامة، متجهّم الوجه، أبرص، عيناه تتحركان بريبة تثير الخوف. عاد إلى السبورة بعد أن قام بجولة بين المقاعد وكأنّه يبعث برسالة إلينا بضرورة الانضباط والالتزام. أمسك بقلم الطباشير وباشر الكتابة على اللوح المدهون باللون الأخضر...
الدنيا تدور في جمجمتي، ينقلب أعلاها على أسفلها، تختلط الأشياء فلا أميزها، ولا أميز ما بينها. جسدي يذبل، لا يقوى على حمل ثقله. كأنما أشعلت حطبًا بريًّا في داخله، حتى صار كـ(التاوة) التي يُخبز عليها الرقاق. عاد إليّ الصداع والسخونة، ذاك الألم الذي لم أتحمله قط. زرتُ أطباءَ كثر، في الداخل والخارج،...
أحس بأنه لا يستطيع البقاء في البيت؛ فخرج من بيته ليلاً، أراد أن يتنفس هواءًا نقياً. سار وحده في الشارع الطويل، إنه يحمل مشكلته ويسير بها في كل مكانتطارده أينما ذهب.لقد طُرد من عمله رغم إخلاصه وتفانيه فيه، لكن صاحب الشركة أراد أن يخفض مصروفاته فاستغنى عنه وعن بعض العمال والموظفين.سوف يسير...
هي كبرت بما يكفي لتفهم أن بعض القلوب لا تبني، بل تنقّبُ عن هشاشتها، لتُسقطها، هي تشعر وكأنها جدار قديم، تنهش فيه الرياح ولا يسنده أحد، وكلما مرّ أحدهم، اقتطع جزءاً من روحها ومضى. لم يعد في داخلها متّسع للترميم، ولا في خارجها ظلٌّ لتستند إليه، ما عادت تلك الأفعال التي تصدر من الأقربين خصوصاً ممن...
راهَنَت المَدينَة على صَباح عادي، وطاعِن في الهُدوء ، لكِنَّها فوجِئَت بِيَوم حافِل بِإرْباك وفَوْضى لم تَتَعوّدْهُما ، كان ذَلِك في آخِر اللَّيْل حين طَرقَت حافِلة مَجْهولَة الهَوِيّة المَحَطّة الطُّرقِية و النَّوم مازال ماسِكاُ بِتَلَابيب عُيونِها ، الرُّكّاب أجْبِرواعلى إخْلَاء مَشْفى...
حين يشتدُّ وجيبُ الحنين، لا يجد القلب مَفرًا من الرحيل إلى ‏خزائن الذكرى، كما لو أنه يبحث عن وجهٍ مألوفٍ وسط الزحام.‏ هكذا فعلَ، حين امتدت يده المرتجفة تنبشُ دفاتر عُمره، المصفوفة ‏على رفٍ منسيٍّ، في لحظةٍ من سكون الغروب.‏ فتحَ أحدها بعفوية، فإذا به يعودُ دون أن يدري، إلى فصلٍٍ من...
ليس لدي معلومات مفصّلة عن الحمير في مدينتنا. سوى أنني أستطيع القول أن أول كائن غريب أبصرته كان الحمار الذي حدثتني عنه أمي على أنه حمارنا الخاص، وقد ألِفتُه فيما بعد كثيراً. وها قد تجاوزتُ الخمسين من عمري ولا يزال الحمار ذاك حياً يرزق. ولتتكون صورة أوسع عن الحمار عندي، حين علِمت أن في كل بيت في...
ركض نحوها كطفل صغير، رغم قامته الفارعة وعرض منكبيه. كانت خطواته تهزّ الأرض تحت قدميه كالجمل، وكأنها تعاتبها على المسافة الطويلة التي باعدت بينه وبين ابنته ذات الأعوام الخمسة. عثمان “فردة”؛ جندي من جنود الثورة التي حررت البلاد. وُلد في قرية صغيرة في قلب الوطن، قرية تتحدث كل لغاته وتحتضن كل...
مر طيفك برهة واستدار قصة قصيرة : بقلم محمد محمود غدية / مصر ارتديت نظارتي ذات العدسات المقعرة، كى ابصر فى الأفق طيف واحة مورقة فى صحراء ايامي المجدبة، أستل سيفي وانتعل حذائي، حتى لا تدمى قدمي من الحصى والحجارة والأشواك، أصارع طواحين الهواء، لفرط ماقاسيت من الشقاء، الشمس ارتفعت فى كبد السماء...
أعلى