كان عطا زميل دراسة، الشخصية المنبوذة من زملاء الصف، لم يكن أحد يحرص على رفقته، بل كانوا يتجنبونه قدر الإمكان، ويعللون ذلك بأنه كذّاب، وأنك بالكاد ستعثر في فرط كلامه على كلمة واحدة صادقة، بل أسهل من ذلك العثور على حبة قمح، في كومة من التبن، هكذا عبّر باسم، أكثرهم تنصّلاً منه، وجفاءّ له، وأبدى...
الزمان ٢٥٠٦ ب.ط...
لقد أحيوني من جديد...غير أن انفتاح عينيَّ على عالم مضت عليه أكثر من خمسة قرون لم يكن بالتجربة الأكثر ترويعاً لي.
كما لم يكن أكبر ترويع لي هو أن إنسان ما بعد القرون الخمسة كان عارياً ويحيا في الكهوف كما كان عليه الحال قبل عشرة آلاف عام مضت. لكن الترويع الأكبر هو أن هذا...
مثلما استباحت سنين عجاف السلطة بكارة فكره، صار لا يتقمص قول الحقيقة حتى في ظنه، فشرع يفترش الوحدة وإياه يتسامران الليل التي فرض عليها ان تكون جارية، بعد ان طوعوها بمسمى جديد قديم فالجواري تباع وتشرى أما هذه فهي دون أجر الكثير من البشر يقتنيها دون ثمن لأنها المؤذن الوحيد الذي لا يصلي وراءة عين...
تبسّمت له ابتسامة بريئة خجولة، ارتعشت لها أضلاعه وما تضمّ، وحينما هبط رآها بجانبه فدعاها إلى شيء من القهوة بعد تردّد، فاستجابت له وقصدا ذلك المقهى القريب من المحطّة، وامتدّ بهما الحديث ساعاتٍ وشملهما ذلك السحر المحموم واستغرقهما حتى نُبّها أن قد أزفت ساعة إغلاق المقهى فغادرا، وصاحبها في الطريق...
لمْ يكن الأمر مفاجئاً لِي – فأنا أعرفها منذ كنا طالبين شابين نتسكع فِي مدرجات كلية الطب بجامعة الخرطوم – ستتزوج أخيراً مِنْ رجلٍ ما أو قلْ خطفها واحدٌ مِنْ أبناء آدم الذين لا تثق بهم مطلقاً. كنت أراهنها أنَّ واحداً مِنَّا نحن أبناء آدم سيأسر شغاف قلبها وكانت ترد ساخرةً بعبارتين يحملان نفس...
رأيته محبطا، حزينا، التعاسة تخرج من صدره مع دخان سيجارته التى لا يطفئها إلا نادراً، متجهما في وجه الحياة ، غيمة سوداء صفدت قلمه ومنعته من سكْب ما فيه علي الورق، عقله مازالت أتونه تعج بالمعاني والأفكار، ينقصها الخروج حتى لا تحترق بداخله وتبقي رمادا تذروه الرياح.
غيمته السوداء تدور في أفقه ،...
محظوظةٌ هى تلك البيوت التى شَرُفت بإقامة الجدة فيها، فهى بيوت لها باب خلفى يفتح على الجنة.. بيوت تعرف المعنى الحقيقى لكلمة «البركة» وتسكنها نفوس مطمئنة.. وكيف لا تكون نفوس هذه البيوت مطمئنة؟ّ!، فالجدة التى تكون فى خريف العمر أو حتى أرذله تتمتع بنظرة عين تبث الأمان فى الكبير قبل الصغير، فالكبير...
رآه متربعًا على كرسى فخم ذى غطاء من القطيفة كُحْلِى اللون، يسند رسغيه على مسندى الكرسى تاركًا راحتيه ذات الأصابع الطويلة تتهاديان إلى أسفل، بيده اليسرى مسبحة حباتها خضراء ذات بريق يخطف العين، مسبحة طويلة تصل إلى ما قبل الأرض بقليل وهى تلف بآلية وببطء بين أصابعه، ويده اليمنى تقبض على منشة خيوطها...
فى كتاب «نزوة القَص المُباركة» يحكى «جابرييل جارسيا ماركيز» هذه الحكاية: (فى أحد الأيام، فى مدينة مكسيكو، خرجتُ من المكتب ورأيتُ سيارة تاكسى تتقدم وفيها زبون، ولكنها عندما اقتربت انتبهتُ إلى أنها خالية، وليس هناك أحد إلى جانب السائق، مثلما ظننت فى البدء. أشرت إلى السائق عندئذ بحركة متعجلة، فتوقف...
أراد أن يغادر روتين حياته الممل بضغطة زر , راح يتجول من عالم لآخر , فضاءات معتمة, أفق مجهول, رغم زرقة الفضاء وبياض المهد , ترمش عينيه بين الفينة والأخرى كلما طالعته لوحة ما............
لوحة رقم (1)
عيد أضحى , قبور جماعية , والأضحية دفان قديم مصاب بشيزوفرينيا البعث..........
لوحة رقم (2)...
دنا قرص الشمس الذهبى من الغروب خلف الكثبان الرملية اللامتناهية، إنه اليوم الثانى والأخير للسباق، الفارسان يناوران، لم يستويا على خط عادل، كلما تقدم أحدهما جفل الآخر بفرسه؛ هي وثبة، قد تحسم التبارى مسبقًا، فكلاهما يحتاط ويحتال لقنصها، ضاقت صدور الجموع الآتية من كل حدب وصوب؛ عام كامل والخلائق...
...تحت ظل هذا العمود، باعدت بين فخذيها، فقفز هو من داخل أحشائها إلى الخارج.
العمود مكتوب عليه كلمات نابية، الصبية المراهقون يأتونها ليلاً وينفقون بضعة جنيهات ليكتبوا، لقد كان هو حرفاً لمؤلف ما...
..سألها احد المراهقين: ما اسم ابنك. لكنها حارت جواباً، فضحك الصبي حتى بال عليها. غمغمت: هل الاسم...
ثمة ذكرى صغيرة وغائمة، عن أننى في ليلة شاتية، أصررت على نزول البحر. كنا في الغروب، والكون رحب: سماء وسيعة بألوان ذات وهج، والبحر موجات من فضة زرقاء.
كانت أمى تتوشح بشال من قطيفة بيضاء. تضم طرفيه على كتفيها الناحلتين بيد واحدة، وبأخرى تقبض على كفى المؤرجحة بينها وبين أبى. لا أرى وجهها المحجوب...
كان النقاش محتدمًا حول هل مات المؤلف بالفعل؟ أم أن هناك أملأ في إنقاذه؟ وعندما هم الناقد الكبير بفتح فمه كان صوت عامل البوفيه يهمس في أذنه جاهدا لثقل وزنه في الدوران ليكون في مواجهة النادل، وعندما استوعب الرسالة ترك الحلقة النقدية في عجالة، واندفع في قوة تجاه الباب الخارجي لأتيليه القاهرة...
من حين إلى آخر ، كان يذهب إلى بيت الزواحف ، لاينطلق سوى فى اتجاه وحيد اعتادت عليه قدماه ، هو قاعة الثعابين ، يلج هذا المكان ذا الضوء الخافت ، والهدوء المريب ، شاعرا بهذا التيار الخفى الذى يسرى فى أجواء القاعة .
إنه إحساس مقبض يخترق أعصاب بعض الحضور ، الذين يتجمدون أمام الصناديق الزجاجية وهم...