إننا في زمن تغيرت فيه الأشياء وقلت فيه الابتسامات ، وأصبحت مواربة والبكاء أصبح صداحا .
وقت أصبحت فيه الأفكار كالأمواج في رأسي ، تتكسر على واجهة جمجمتي الداخلية ، إنه وقت الفراغ والأسئلة .
بعض الأحيان أتساءل كيف يمكنني تحمل هذا .
نظرات تائهة ، أمام كل ما يجيش داخلي ، إنني أنظر وألاحظ الناس يمرون...
بمناسبة موجة "الحريك" الجماعي التي نعيشها اليوم.
يوم ضاقت رحاب الوطن من أن تسع حلمه البسيط، ركب البحر. نظر طويلا بعينيه اللتين اكتسبتا لونهما من زرقته الى الجزء المتبقى من الوطن متوقعا أن يناديه: تعال .! ارجع ..! كنت مازحا. كيف أضيق ممن تسع قلوبهم أرجائي المترامية الأطراف ولا أسع...
ركبنا الباخرة بعد إجراءات المرور المعقدة، المسافة بيننا وبين اسبانيا تتقلص عندما تهدأ أمواج المتوسط، لم يكن على ظهر الباخرة ركاب كثيرون، هؤلاء تركناهم هناك قرب الميناء يتصيدون فرصة الهجرة سراً إلى اسبانيا.
كانت عيونهم جد يقظة، يلتفتون يمينا وشمالاً، وكأن الفضاء يضيق بهم، قال أحدهم كان على مقربة...
كان إيقاع المخيم يتغير مع نشاط وكالة الغوث في توزيع المؤن، وحصص الطعام، والملابس المستخدمة(البقج) على اللاجئين في المخيم.
ما زال يتذكر تلك الفرحة التي كانت تغمرهم في نهاية الشهر عندما يحين موعد استلام كرت المؤن، والمؤن مجموعة الحصص المقررة لعائلتهم من المواد الغذائية، التي تتكون عادة من المواد...
ترتعش الأنوار الصغيرة، حول البيوت المعتمة، النجوم توشك على الإنطفاء، وحده يمشي بخطى وئيدة، مثل فارس خسر معركته مع الناس والحياة، توهم انه أقوى من الإنكسار وانكسر، وأقوى من الموت، حتى باتت روحه موشكة على الغروب، إنها الأوجاع التي تتضاعف حين يكون الإنسان وحيدا، رائحتها تنبعث من قميصها، الذى مازال...
في نهاية الستينات من القرن الماضي اشترى مولاي ابراهيم جهاز فونوغراف. لصعوبة النطق بالكلمة حذف الغراف، وسماه الفونو. بعد صلاة العشاء، يفترش في فصل الصيف لحافا من الصوف وسط ساحة البيت، ويضع بجانبه صينية الشاي.
ينادي علي ابنه البكر بصوته الجهوري:
ـ حسن هات الفونو والأسطوانات!
ينزل حسن من الطابق...
في زمن ما صعب أن تحدده باليوم والسنة؛ لكنه ظهر في هيئة لائقة بالعصر، يتقن عدة ألسن، دارس للفيزيقا والبيولوجيا وعلم السيسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وكثير عن علم الجمال والفلسفة والكتب المقدسة وديانات الشرق وما يعبد الهندي الأحمر، إنه داعية حليق الذقن والشارب يرتدي الجينز والشميز، وسيم في أناقة...
هو نفسه المخيّم الذي ما زال يقاوم، لم يسقط الراية، عرف البداية، لكنّ وبرغم ما جرى له لم يعرف النهاية بعد، رغم من مرور اكثر من ثلاث سنوات من انطلاق شرارة الكتيبة الجنينية البكر، وفي كلِّ محطة، وفي كلِّ اجتياح حكايا وقصص ومواقف، ليست من نسج الاقدار والأفعال فقط، بل مؤشر على دوام الروح رغم زحمة...
لعل حاسة الشم لها تأثير كبير على شهية المرء عندما يقع تحت طائلة الجوع، في بداية تجولي وتسكعي :فى أحياء وشوارع وأزقة دمياط فى محاوله لاكتشاف ما غمض على من اسرار المدينة واكتشاف نفسى التي احسست بروزها من خلال هذه الممارسة ، فى علاقة جدلية شبه معقدة لحد ما بيني وبينها، فأني أعتبر في نفسي جزء...
كان حفل رأس السنة لهذا العام مميزاً، بحضور ولديّ من اغترابهما. لقد بذلت كل ما بوسعي لأن يكملا اختصاصهما في الغرب ،ويعودا كما فعلت، لكنهما علقا بشباك الغربة.
على المائدة الباذخة المكتظة بأصناف الطعام، والحب والفرح والذكريات، جلس إبني و زوجته وابنه على يميني، وابنتي وولديها إلى يساري.
أخذت زوجتي...
لا أدري ما الذي جعلني أتذكر تلك السمكة الكبيرة التي اصطادها أبي من النهر الذي كان يرتفع ماؤه أيام الفيضان،رغم أن ذلك حدث منذ زمن بعيد، كانت تلك أيام مضت قصت حكايتها جدتي في ليالي الشتاء الطويلة تلتف حولها ونتعارك من يجلس بمقربة منها!
تلك السمكة على ما يبدو ذات ذيل أخضر وزعنفة ملونة؛ تتمتم...
أنا لم أعرف جدّي، والد أبي، فقد مات قبل أن تنجبني أمّي، بحدود السّنتين، ولكنّني عرفت عنه الكثير، من مصادر، ورواة عديدين، وخاصة عن مدى قسوته، وبطشه، وظلمه لأبي، وإلى بقيّة أسرته.. بداية من جدّتي، صاحبة الكرامة، التي تعتزّ وتفتخر بها، إلى ابنها عمّي (سعيد)، ولدها البكر، الذي خلّفته من زوجها...
اقتحمتْ الغرفة المعتمة بجموحٍ. كان الهواء راكدًا، وكان زوجها كعادته يلوذ بنومه الثَّقيل. سارعتْ إلى فتح الشُّبَّاكِ؛ فتدفَّق تيارٌ من الهواء الطلق داخلَ الغرفة، بينما غمرتْ أشعةُ الشَّمس الأرجاء الرَّطبة، والفراش البارد، وَسُرعانَ ما لفح حرُّ الشَّمس وجهَ الزَّوج؛ فتململ في فراشه، وهبَّ من نومه...
فتحتُ عينيّ ببطءٍ شديد، هديرُ أمواج البحر القادم من النافذة، كان أول ما تناهى إلى سمعي وحينئذ تذكرت حالما درتُ ببصري في أرجاء الغرفة أنني لستُ في بيتي، لستُ في فراشي.
نهضتُ، بحذرٍ أبصر هذا العالم الغريب الذي وجدتُ نفسي فيه، كانتْ الأرض رخوة تحت قدميّ والفراشات تملأ المكان. هل أنا في حلم؟.
ومتى...