سرد

لم يكن منزلنا يملك مرحاضًا. كبرت وأنا أستيقظ في الليالي الباردة على نداء متانتي، فأمشي في الظلام، متسللًا بين الجدران والنفايات، حتى أصل إلى المرحاض المشترك. مكان لا تعرف فيه أين تطأ قدمك، تملأه الروائح النفاذة، وتخترقه عيون متلصصة تتربص بك من ثقوب السور المتهالك. كنت أستحيي من الدخول إليه،...
كانت جارتي "لينا" ذات الخمسة والعشرين ربيعا، الفرنسية الأصل، الكاثوليكية الديانة، جميلة بعينيها الزرقاوين وكأن البحر اختزل فيهما لون السماء وعمق الذكرى. كانت تمرّ كل صباح لألقي عليها تحية صباحية، نلتقي عند بوابة الدرج، تهمس بالفرنسية في صمت الصباح، ثم تمضي إلى المعهد حيث تدرس الأدب وتقول إن...
خريف الحب قصة قصيرة : بقلم محمد محمود غدية / مصر سؤال لم يجد له اجابة، لماذا الحزن يقتحم الأبواب والنوافذ، يتمدد فوق وسائد الراحة، ويرفض الرحيل، الفرح طاريء عابر، قليل الإقامة، مايلبث ان يذهب ؟ يتندر ساخرا من شيخوخته قائلا : انها الجنازة الوحيدة التى يتمكن فيها الفقيد من السير على قدميه،...
دخل هو وصديقه عند دكتور الأسنان حيث أن صديقه كان له ضرسا يؤلمه كثيرا فذهب لخلعه، وبعد أن قام الطبيب بخلع ضرس صديقه قال للطبيب: - لو سمحت يادكتور ممكن تشوفلى أسنانى سليمة ولا فيها حاجة مسوسة أو تعبانة. سأله الطبيب: - انت قاطع تذكرة ولا معاه كده. - لأ معاه كدا عادى. نظر الطبيب فى فمه بتمعن حتى بدا...
في هذا النص، لا تُروى الحكاية من فم راوٍ، بل من فم الجدران، من صمت الأشياء، من ذاكرةٍ لم تُشفَ. زنزانة الذاكرة ليست مكانًا، بل حالة وعي، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، ويُصبح الألم هو اللغة الوحيدة التي لا تنسى. "صدى لا يموت" ــ أنت تعرف لماذا أنت هنا؟ لم يكن الصوت صادرًا من الخارج،...
إنتظروا فالخراب قادم لا محالة... مجرد سنة تطوى فعضت ذيلها لتصرخ في وادي ربع الخراب أن الحياة على كوكب الأرض ستكون كمن يعيش قرب بركان نظنه خامد... فالعالم ينتظر السامري الجديد بنظام ماسوني. هكذا في كل لقاء عندما ننضم إلى أمسية ما يقدم نفسه لقد شغف البحث حتى صار لا يباريه راكض صحراء في زمن...
التفَّ جسدها بثوب النجومية الحريريّ في كل عرض أول لفيلم جديد، لكنه كان يخفي تحته جلدًا من حديد. "نور"، تلك الطفلة التي كانت تنتظر أن يمسح والدها دموعها بعد كل كابوس، صارت نجمة تسطع صورها على واجهات دور السينما، بينما ظل هو – الأستاذ محمد – جالسًا في صومعته بين الكتب الصفراء وأشرطة الدروس، ينتظر...
جلستُ على الأرض الهاتف يثقل بين يديّ كأنه قطعة من نفسي التي تبتلعها الأيام. ضغطتُ على الرقم الأول… رفيق طال الرنين، كدتُ أظن أنني أخطأت الرقم، ثم جاء صوته، مترددًا، كأنه يحاول تذكّر نفسه. رفيق : أهلاً… معقول؟ أنا: رفيق … صديق الطفولة. صمت رفيق لحظة، ثم قال بصوت خافت: … إنت جاري القديم...
مضت ايامه خيط من الشقاء، يصل اليوم باليوم، يرى ان الحياة، وزعت ثروتها من السعادة على الجميع دونه، حتى الفرح لم تمهله الوقت، للتمتع به ولو قليلا، يأتى ويذهب سريعا كالبرق، شرد فى ليل العالم الواسع، مثل طير مكسور الجناح، صفير القطار يرتفع حادا، لمسيرة اكثر طولا وايلاما، تلملم الشمس اثوابها، فى...
يتأمل وحشة المدن والأبنية، وهؤلاء المرهونين بالحياة اليومية، نفس الوجوه والتعبيرات، وكرات اللهب والوجع دون تغيير، هناك لحظات نتوقف امامها، تحفر فى الذاكرة، وتجعلنا نرتاب فى منطق الأشياء، إرتضاها لأشياء كثيرة، منها قسمات وجهها ونضارته، لا سبيل الى مقاومته، فى المقهى، احتسى فنجان قهوته، وجلس...
على مرمى النظر, كانت السفوحُ في الأعالي تنحدرُ بحدة ليلٍ صامت, فوق تلال متقاربة الامتداد ,تتلقى المَحلّةُ استغاثاتِ الأعماقِ الممزوجةَ بآهاتِ الليل, وضجر السباع, بينما تسيل زفراتُ شفاهٍ وأنفاسٌ شجريه ندية. وسط عتمه كهذه, أكاد ألمس أنفاسي اللاهثة, مجبرًا على الصمت, والطبيعةُ تصدحُ بصوت الناي...
"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..." ر. ب ((Incidents في المغرب،...
"أيوب" من قدامى قطاع الطرق، غير أنّه هجر الشقاوة، وأعلن توبته منذ فترة ، أقام "حانوتًا" صغيرًا يبيع فيه الحلوى للأطفال. بجعبته حكايات تأسر الألباب، كنا كلما جالسناه ـ بعد أن نشتري بضاعته، يحكي عن مغامرات خاضها ولا حصر لها، حينما نستمع إليه نشعر بسعادة غير أنها تنتهي كل مرة بقلق. عدا عجوز، كانت...
انطلق العجوز الأخرس، بعد انتهاء عمله وقت زوال شمس النهار إلى رحلته اليومية التي لم يقطعها يومًا على مدار فترة لم يُحصِها، حاملًا معه لفافة الطعام التي أنفق عليها ما اكتسبه خلال اليوم وصولًا إلى تلك المنطقة بمنأى عن القرية، على شاطئ النهر حيث شجرة التوت العتيقة التي يسند ظهره عليها متأملًا...
في بغداد، لا تتغير الفصول في السماء وإنما في العربات. صيفٌ يُباع فيه التفكير مع العرق وشتاءٌ يُباع فيه الدفء بكأس لبلبي. الحمّال في الصيف لا يحتاج سوى قطعة بقلاوة صغيرة، أما حين يبرد الطقس فإنه يعمل دفاعا عن أطرافه. وفي هذا الفصل، تكتسب البقلاوة نكهة جديدة وهي نكهة الذباب الذي يصل إليها قبل...
أعلى