"حين دخل كان متردداً متداعيا، ينظر حوله بارتياب، اعتدت أن أرى هذه الوجوه الحائرة، المتقلّصة؛ بحكم سنين طويلة في عملي، تمرّست في امتصاص هذا التداعي، وأحيانا الانفجارات المباغتة، وتحويلها إلى ثقة ونوع من الاطمئنان.
جلس على الكرسي أمامي وعيناه تدوران في محجريهما بقلق، تركته برهة كي يسترجع...
تباين المطر منذ أمس بين هتان و وابل ، خلا الشارع إلا مني ؛ فنحن في نهاية الشهر ومن يمتهنون إعطاء الدروس في البيوت يعلمون أنه لا مجال لإلغاء الحصص .
استحث السير لأصل إلى غرفتي في طرف المدينة ، بيد مرتعشة أدرت المفتاح بالباب ، العقرب الكبير يحتضن الصغير رقودا فوق رقم يشير لمنتصف الليل .
كيف خرجت...
رمقه بنظرة سريعة وعبر من أمام باب غرفته، وقد لمح هو تلك النظرة السريعة ووجه وجهه إليها، كانت ترتق بنطالاً قديماً لكنها أحست بنظرته فرفعت رأسها والقت إليه نظرة سريعة، ثم عادت لرتق البنطال وظلا صامتين. جرّ نفسها حاراً من صدره، ونهض وعبر الردهة فلمحه في المطبخ يعد كوب قهوة، نظر إليه، فالتفت الآخر...
في البراح الواسع أمام الدار، تجلس الجدة، فاردة ساقيها لشمس الصباح وبجوارها راديو العائلة العتيق، لا يتحول مؤشره عن إذاعة القرآن الكريم، ومسبحة في يدها لا تمل من فر حباتها ومصحف متآكل غلافه، مفتوح أمامها لا تقلب صفحاته أبداً، وكتاكيت صغار تتقافز حولها، ودجاجات تنقر في الأرض، ونساء عجائز يأتين،...
أجمل وأثمن ما في حجرتها ، تلك اللوحة المعلقة على جدارها، الحياة البسيطة تجعلها ترى صغائر ما تمتلكه ثروة تستحق الحفاظ عليها.
تشعر الآن أنها تمتلك شيئا ثمينا، تخبئه خلف صورتها المعلقة في حجرتها الصغيرة التى تضم سريراً قديماً، تحافظ علي تسويته بشكل دقيق ومنضدة مغطاة بغطاء بلاستيكي منقوش بنمنمات...
في حارتنا باب خشبي كبير، دار عليه الزمن، جعلته الفئران ملهى ليليا، كنت أخاف المرور جواره، عليه تصاوير مفزعة، تسكن الشياطين البيوت العتيقة التي هجرها أهلها، سمعت عنه حكايات روتها جدتي؛ يوما ما كان يضج بالحياة، نوافذه كانت مشرعة، البنات الجميلات كن يترآين من نوافذه، شعورهن السابحات مثل اغصان...
(1)
كانوا قد أحضروا كل مستلزمات سهرتهم .. نبيذ خالَطُه الغِش .. خبز فَتَّته بَلَلُ سائِل ما .. عظام ما زالت تحتفظ بِفضُلات مَجْد لحمها الذي ربما أفْلَت من بين أسنان تتعجل أن تقوم عن المائدة أو إستعصى على بَقايا أسْنان.. دجاج ميِّت لم يرَيَّش بَعْد ويُنتزع منه إعترافٌ بِجَريرة ما ، نحيل كأصابع...
- ما هو اليوم يا زملاء السجن؟
- أعتقد أنه الثلاثاء..
- يا لك من ضائع.. إنه الأحد..
- كلاكما مخطئ فالكنيسة التي خلف السجن لم يضرب جرسها اليوم..
- ولا البارحة..
- إذا فهو يوم الأربعاء..
- ولماذا لا يكون السبت وغداً تدق أجراس الكنيسة؟
- إذا كان هناك احتمال بأن يكون اليوم السبت فلا مانع من أن يكون...
ربما هذه اللعبة خطيرة ، وتحتاج إلى حد أدنى من التعقل والمال أيضا . لا بد من ضمان بعض الضروريات . كراء مسكن ، اقتناء مواد غذائية ، أداء فواتير الماء والكهرباء ، نفقات التطبيب والتنقل واللباس ، وبعض الهدوء في الوسط الأسري . وبعد ذلك هات ما عندك يا خيال !
يُمكن أن تتخيل نفسك قد وُلدت في السويد ،...
وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!
هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟
هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!
وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح...
كان ذلك البحر أكثر زرقة من كل البحار، وكانت أسماكه شفافة تمامًا كدموع الولد ذي البشرة المائلة قليلًا إلى الزرقة، وكان الولد جالسًا وحده أمام البحر في تلك الليلة، حين انتبه إلى صوت ترقرَق على جدران قلبه:
"أبشِر أيها الولد. إن مَلك هذا البحر قد عرفك فأحبك، وقد أمرنا بصنع هذا الخاتم لك...
تجلسُ أمامي ، امرأة جميلة جداً . وحدنا في الترام ، لا أنظرُ إليها ، ولا تنظر إلي ، نراقب تصرفات بعضنا البعض . هي في الأربعين كما أتوقع ، وأنا في الخمسين كما مثبت في جواز سفري . هي لديها زوج وأولاد وبنات كما أظن ، وأنا لدي زوجة واولاد وبنات كما أعرف . الترام ذاهب الى آخر محطة . تجاوز منطقتي...