سرد

.................... تحت ضغط .. إلحاحها الشّديد ومعسول كلماتها الناعمة أحيانًا والتي تَجيدها ببراعة أو كما يُقال: (تعرف من أين تؤكل الكتف) واللّاذعة أحيان أخرى, تفككت قسمات وجهه الغاضبة وقد أبدى موافقته المبدئيّة على التّقدم لشغل وظيفة ما في احد الشّركات الخاصة, ربّما كان ذلك سببًا لمضاعفة دَخله...
خرجت من الكوخ كما تنبت زهرة عنيدة من بين الصخور، تحمل معها عبيرًا يوقظ الحواس وخطوات بالكاد تلامس تراب الأرض، كأنها انسكاب من نور الفجر. خُيّل إلي أن الأرض تحتفل بمقدمها، وأن أنفاس الريح ترقص بين شذى عطرها. كانت قصيرة القامة، رقيقة الملامح، لا تُقاس بجمال مألوف، بل بجمال يلمس الروح ويبهر العين...
للمغرب لون لا يشبه لون الصبح، وفي النهار جنٌّ ليسوا كجنِّ الليل، وفي داخلي شوقٌ كبير لمطرٍ يجمعني مع “صلوات” حبيبتي الغائبة عني منذ زمن بعيد، وبخور الليل ينتشر في فضاء شقتي الصغيرة المتواضعة وقد سبقه بخور النهار في التصاعد من فوهة المبخرة اليدوية المزينة بالدبابيس ذهبية اللون؛ ليملأ المكان...
أثناء تجول القاص والطبيب الروسي تشيكوف ذات صباح في احد احياء موسكو يلقى الناس بوجه طلق ونفس سمحة، وإقبال على بلا حدود على الحياة: فوقع بصره على الكاتب دوستويفسكي في مفاجأة لم يكن يتوقعها, على مقربة منه : فاتبع تشيكوف اثره رغبة في مناقشته في قضايا أدبية فهو ليس روائي هو رائي ومتنبئ من وجهة نظره،...
في الشوارع المكسوة حديثاً بالإسفلت، تمضي وسط زحام المركبات سيارة خصوصي بيضاء يقودها شرطيّ يعمل فترة استراحته سائق أجرة. كان يفترض بالشرطيّ وقد انتصف الليل الآن، أن يعود لاستلام واجبه الذي سيمتد حتى حلول الفجر، لكن رجلاً عجوزاً وامرأته أومئا إليه في طريق العودة كي يوصلهما إلى مستشفى الولادة. كانت...
ها أنا ذا تائهة في الزمكان.. كان الوقت ليلاً.. بعد عشاءٍ ردئ. قلت لها: هيا بنا نغوص في غياهب المكان(...)، دخلت من البوابة الزمنية موقنةً بأنّّي سأنتقل إلى عوالم أخرى، سرتُ مسحورةً نحوها.. وولجتها، بعد قشعريرة لم تفارق جسدي البتة. دخلتُ فتملّكتني رعشة لم أستطع تحديد مصدرها أ من الحنين جاءت؟...
قال مرشح من الأعلى لمواطن من الأسفل: ـ إذا صوت علينا وفزنا بالانتخابات سنقوم بإصلاح التعليم والصحة، ونقضي على البطالة، ونشغل الشباب، ونوفر السكن اللائق.. جال المواطن بعينيه يمينا ويسارا.. كل الذين صوت عليهم من قبل قالوا له نفس الكلام.. ركز عينيه في عيني المرشح ورد بالواضح: ـ سيدي اسمح لي ربما قد...
يطلق الشتاء زفيره على الإسكندرية، ترتجف الأرصفة، تنكمش الشرفات في معاطفها الحديدية، وتتكوّر القطط قرب عتبات البيوت. صباحٌ ملبدٌ بسحبٍ رماديةٍ ، يخرج "عزيز" إلى البحر كعادته كلما ضاقت به الأرض، يرتدى معطف أبيه القديم، ذي الأزرار الخشبية الداكنة، يدير ياقته الصوف إلى الأعلى، رصيف الشاطئ خالٍ إلا...
في ليلة صيفية خانقة، بعد ندوة خافتة الحضور، كنت أرتّب أوراقي بيدٍ ثقيلة، والقلم يتثاءب بين أصابعي كمن يتهيأ للسقوط، كأن الحبر نفسه يعرف أن السطور الآتية ليست من هذا العالم. غلبني النعاس، فوجدت نفسي أمام قاعة أعرفها، بابها نصف مفتوح، كأنه يشير إليّ بإصبع من نور ويهمس: تعالَ… فقد آن وقت العبور...
زنقة سُدّت نهايتها بإحكام على القاطنين فيها و لم يبق أمامهم سوى منفذ إجباري وحيد للدخول والخروج منها. في قلب قصر قفصة تتربع تلك الزنقة التي استقبلت وليدها الجديد ذات صباح من أيّام الشتاء مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين. الزغاريد المرتجفة من شدّة البرد القارس تتحشرج في الحناجر وتملأ الفراغ في...
في إحدى حواري العاصمة التي لا تنام، حيث الحياة أرقام تتدفق على الشاشات، عاش آدم كظل بين الظلال. في مكتبه، حيث الجدران البيضاء الباهتة، وشهادة الموظف المثالي المعلقة بخيط مهترئ، يقضي يومه بين شاشة حاسوب تومض كأنها تكافح للبقاء مستيقظة، وطابعة تخرج الأوراق بنفس الإيقاع المتكرر. يدخل السجن صباحاً...
استغرق وقتًا طويلًا حتى شعر بنبضات قلبه تتدفق، كمن يعود من غيبوبة حلمٍ قديم. كان يتكئ على حافة الزمن، كغريبٍ تاه في زحمة الفوضى، يرى الأفق ضبابًا يعانق السماء، فيواري صفاء النهار، ويبث في نفسه دائرة من الشك، كمن يسير على خيطٍ رفيع فوق هاويةٍ لا قرار لها. صدى صوتٍ يخترق حدود الصبر، كأنه...
اشتكى الهارب من الخيالات والأشباح اللعينة التي تطارده في كل ليلة حين يخلو إلى نفسه وهواجسه في ظلام الليل الدامس فقال بتضرع في نغمة يسودها الكثير من الحزن الذي يعتصر ألما : آه على رسلك أيها النهار لماذا تصر على الرحيل وأنت تعلم جيدا أنني غير جاهز بعد لهذه المغادرة الطوعية كفاك عنادا وأصغي إلي...
لا أعرف لماذا أتبع صديقي المجنون، أسير معه أنى ذهب، ربما لأن مراقبة جنونه، يوفر لي بعض السرور في غربتي، ها هو اليوم، عندما وجدني في باب العمارة أدخن سيجارتي، حدثني بالإشارة، وبعض الكلمات التي بالكاد أفهم معناها، أن أصعد معه الى سيارته، التي هي عبارة عن غرفة معيشة متنقلة، تتوفر فيها كل لوازم...
أعلى