قصة قصيرة

إذا أردتَ أن ترى لمحة من مستقبل مدينتي هذه، فاذهب إلى أقرب محطة للترام. سيارة الأجرة تخبرك بالثقافة الشعبية، والحافلة تخبرك بمستوى الرضا عن الحياة. القطار يخبرك بأخلاق الناس، والميكروباص يخبرك بوقاحة بكل تفاصيل الواقع. لكن المستقبل لا يخبرك به إلا الترام العجوز. كنتُ قد ضِقتُ بشوارع المدينة...
ربما كان من الضروري أن يحدث ذلك. ربما يحتاج الأمر لمؤامرة من نوع خاص ومتقن لأجل تلك المرأة التي وقفت تستحم ، لتغسل عن جسدها عشرين عاماً من الوجع القديم ، وقبل ذلك كانت تسأل نفسها فى ليال ذات ريح بارد وهزيم ، إن كان بإمكانها أن تطلق عفريتها لمرة أخيرة ، ذلك العفريت الذي سجنته فى زجاجة يشف...
تدبّ في الدّربِ كعادتها ، تستقبل أشعة الشمس ، تعانق تباشير الصّباح ، كما تستقبل الحقول الخُضر والحيطان هذه الطقوس عند كُلّ اشراق . سألت أكثر من مرةٍ عجائز الدّرب : متى هبطت هذه المرأة إلى قريتنا ..؟ لكن ردودهم كانت ناقصة ، وإجاباتهم غير مقنعةٍ ، لا أحد يعرف لمجيئها موعدا ، سوى أنّهم...
إنها السابعة صباحاً, سيجارة واحدة بقيت في العلبة, زمّت شفتيها الممتلئتين على الفلتر الإسفنجي, بسرعة تناولت الهاتف البارد, إلتقطت سيلفي مثيرة, وطار الدخان في أرجاء الغرفة. لعابٌ قليلٌ التصق بسقف حلقها الجاف, لا بأس, أن تشعل حريقاً داخل جوفها وتطفئه عشرين مرة في غضون ساعات أمر عاديّ. طعم المرارة...
بالفعل كان حبا في زمن الكوليرا؛ أمضيت مائة عام في متاهة الجنرال معصوب العينين، سألت نفسي أكثر من مرة لم لا ينتهي موسم هذا الحب؛ للمطر سحاب يتتابع؛ والخريف موعد تتساقط فيه الأوراق، أما أنا ففي تلك المدينة أسعى، أفقد كل يوم أحد أصدقائي؛ بت وحيدا في كل شيء؛ أعاني العزلة ويقتلني الاغتراب؛ رغم كل هذه...
في البدء (للمدينة وجه رجل وللقرية وجه أنثى وللخيانة وجه قرد) (رحيل امرأة يوازي رحيل عشرة رجال) (نذهب إلى الطبيب ليعالجنا ولا ندري أننا نعالجه).. الموسيقا التركية تنبعث من جهاز التسجيل القديم، صورة الفريق الوطني التركي لكرة القدم ملصقة على أحد الجدران، دخان التبغ يظلل وجوه المغتربين المجهدة،...
ما عدت أستقر على لقب؛ فكل الصفات المحببة إلى نفسي والتى امتلأ بها معجمي تتداعى إلي، كم أنا فقير في السرد! لاضير فقد دارت الحياة بي مثل حجر في طاحونة عملاقة تربض جوار بيتهم، كان قطار الدلتا يتوقف هو الآخر عند جنة النخيل التى تحوط هذا البيت الرابض فوق تلة جادو تلك التى صعدها درويش بالناعسة حيث سلم...
خرج من بيته والدنيا أشبه بحبل يلتف حول رقبته، يضغط على صدره هم ثقيل ،نظر في وجوه ركاب الحافلة، كل واحد منهم يعيش في عالمه؛ عيونهم تتحرك كما لو كانت تنظر إلى شيء ما، الرتابة تستبد بهم، يترك غبار الحافلة أثره على وجوه المارين، تبدو في حالة من العبث، علها أشبه بمدبنة خرجت لتوها من تحت أنقاض زلزال...
سألني -والهم يكاد أن يقتله، الدمع يسبق كلماته، شفتاه تتحركان فتتداخل الأصوات كأنما هناك عدو يرقبه، ينظر في كل ناحية، القلق يستبد به- أي حرية تلك؟ المدن صارت أثرا بعد عين، إنها أشبه بخرابات تجري وتلعب فيها الجرذان، لقد أحرق نيرون روما وجلس يعزف على أوتار عوده ويشرب خمرا حتى الثمالة! انظر هؤلاء...
كان دخان المطاعم ينبعث رماديا ويطير إلى السماء السوداء، ثم يغرق بالضباب المحيط بقمم ناطحات السحاب، بعض الأوراق تعبث بها الريح فتطير في قفزات واسعة لتعبر الأسفلت، قطة تموء من فوق صندوق قمامة حديدي وعيونها تلمع. ورائحة أشياء عديدة تتخالط، ولكنها كلها تعبر عن مدينة رأسمالية عتيقة. هذه بداية ديسمبر...
سيروا سيروا المسافة يوم وامرأة، سيروا سيروا وقبل المسير احلبوا نساءكم، وحجروا بناتكم فالمسافة محددة، سيروا سيروا وقبل أن تحزموا أمتعتكم احزموا الليف حول العذوق الخضراء، فالمسافة في قلب واحد وأنتم تحملونه، سيروا سيروا ما زال الديك عند المغيب يجمع الدجاجات ويتمتع بصحة جيدة، والمسافة دنيا داخل...
قائد المجموعة اسمه فتحي، وعضوها الثاني صديقه محمد وكلاهما من مخيم جنين، وثالثهم الشاب جمال من بلدة ميثلون، وكان العام 1974 زمن الأحداث، وكانت معرفتهم كانت في العام 71 على خلفية عضويتهم في مجموعة مسلحة تابعة لحركة فتح، وبعد اعتقالهم ونسف منازلهم، وقضاء مدة محكومتيهم، خرجوا من السجن، فعاد فتحي...
"الشعراء ليسوا نقيين بما فيهِ الكفاية في نظري جميعهم يكدّرون مياههم كي تبدو عميقة ! قد تعلمّوا من البحر غروره أيضاً ، أليس البحر بطاووس الطواويس ؟ " نيتشه - هكذا تكلّم زرادشت - ص 254 1ــ كيف انحدر...
أتسكع هذه الأيام في فضاء لاينتهي؛ ثمة أمكنة لما أحط بها خبرا؛ بنايات تعود إلى أزمنة سحيقة؛ سكنها أناس مثلنا وارتحلوا؛ يضرب الموت بمعاوله كل آونة؛ يمكث الحزن فترة ثم ينقضي؛ تخبرني أمي بحكايات عجيبة، عن صنف من البشر كانت لهم عيون تشبه حبات العنب؛ أنوفهم طويلة تقارب الشبر ونصف؛ أصابهم الصلع فتعكس...
أعلى