سرد

أخذ ضوء النهار ينحسر تدريجيًا، واللّيل يتقدم عليه ببطء. شدت "جميلة" شالها البالي حول كتفيها لاتقاء برد الغرفة، وحاولت تحريك أناملها برفق علّها تُرخي مفاصلها التي تجمدت بفعل البرد. خاطبت نفسها وهي تتنهد: "وحشتيني يا ابنتي". عند منتصفِ الليلِ فتحتْ عينيها، وشعرتْ بالعطشِ. مدتْ يدها إلى كوبِ الماء...
يتحلقون حول قبره، كنمل يطوق قطعة حلوى، يحتشدون بكثرة صباح الخميس والجمعة من كل أسبوع، يرفعون أكفا غضروفية، بدعوات تبللها دموع أعينهم البريئة، يضعون الورد ما بين فترة وأخرى، بلوعة حرى تصطلي أجسادهم الصغيرة، زفرت إحدى الزهور، وقد انزوت خلف شجرة طلح كبيرة، بحسرة تجهش بالبكاء : _ (الله يرهمت يا...
في العاشرة صباحًا، وأنا أعمل بمكتبي، داخل المنزل، أمسكت المحمول أواصل دراسة مشروع يتعلق بعملي على الإنترنت، لفت نظري إعلان عن كتاب عنوانه بدا غريبا ومثيرا " أغارثا"، تجاهلته لكن العنوان ظل عالقًا في رأسي طوال اليوم، فإذا بي أعود لفتح الموقع الذي رأيت إعلان الكتاب عليه مساءً، فوجدت أنه لا يسمح...
على كورنيشِ البحرِ ينظر " عادل " إلى الأفقِ ؛ ربَّما يلمحُ بصيصاً من نورٍ، تتراكمُ السحبُ ، تتزاحمُ الذكرياتُ في مخيلته ، وإذْ فجأةً يخترقُ أسماعه إيقاعُ مقادم حِصانٍ يتهادى في رشاقةٍ يجرُّ عربةَ حنطورِ قادم نحوه في تلك الساعةِ المتأخرةِ م- ن الليلِ ، تحدثه نفسه : • ربَّما النزهةُ بالحنطورِ...
لم يتمالك نفسه وكأنه يكاد يبكي عندما كان يودعني على أول الشارع، عندما كان يقف أمام الفيلا التي أسكنها، أخذ ينظر إلىّ بعيون ملؤها الشوق والمحبة، وكانت النَّظْرَة الأخيرة عندما انحنيت من زاوية الشارع إلى شارع أخر وتواريت عن ناظريه. تريدون أن تعرفوا من الذي يحبني كل هذا الحب؟ إنه أفينجير(المنتقم)...
كانت مشاعره العفوية كثيرا ما تُصيب من حوله بالذهولِ، فيكتفون منها بشيء من السُّخريةِ والتَّندرِ، فكلامه عن تَشاكسه مع عِجليّ النُّورج ، وجدالهما المستمر ، وخصامهما المحتدم ، وصراخ أخشاب المحراث حيِنَ يُقبِّل وجهَ الأرض بأسنانهِ الحِداد هي من قَبيلِ الخَبل. وبمرور الوقت أدركوا أنَّ مَشاعره تَصدر...
الحلقة الأولى مر بخفة بجسده النحيل و بنيته الضعيفة من بين الوقوف على محطة الأتوبيس و قفز قفزة رشيقة ليتعلق بعتبته ثم انزلق بين الركاب حتى وصل إلى موضع يستطيع فيه أن يمسك إحدى المقابض المعدنية كي يثبت نفسه و يتفادي الوقوع أثناء حركة الأتوبيس، لا مجال للجلوس فجميع المقاعد مشغولة و الركاب متربصين...
دقَّ جرسُ التليفون في مكتب (الريس) مدبولي رئيسِ العمال، في مصلحة الصرف الصحي كان المتحدث رئيس المصلحة. انتفض الرجل واقفاً وهو يقول:أيو يا فَنْدِم قال الأستاذ عبد النبي: البَلاَّعة الرئيسية في شارع السد بالسيدة "زينب " مسدودة، والمجاري طافحَة في الشارع. أنتَ تعرفُ أنَّ غداً الليلةَ الكبيرة...
الولد الصغير يلف ويدور، يمشي المشوار بعده مشوار، هنا إبر حياكة، وهناك لبان ومستيكة. يصعد حافلة من حافلات النقل العام، يشبك قميصه البالي في قطعة صاج متدلية من أجزاء الباب المتهالك، يشد نفسه على عجل، ويظل طرف قميصه عالقاً بالباب، فيتمزق القميص تاركاً جزءاً من كتفه عارياً . يقفز الولد في حركات...
الانفلات من أسر الزمان والمكان والخروج من اللحظة باللحظة في اللحظة" هدأت الرياح الشمالية الباردة، واستقرت الشمس في قلب السماء، بعد أن حلتْ ضفائرها المليئة بالأنوار، فتنفستْ الأرض بالجمال والدفء والربيع. بدأ الاخضرار يغمرُ الأعشاب الشاحبة المنتشرة في الأودية الصغيرة المُنحدرة من الروابي الجبلية...
جزء من الفصل الأخير من الجزء الأول من ملحمة "الملك لقمان" ..وما أن جففت أجساد الأطفال وخلعت عليهم أجمل الملابس حتّى تقدّم الملك لُقمان من طفلة فائقة الجمال في حدود الخامسة من عُمرها، كانت أخُتها الأكبر منها قليلًًا تحملها إلى حضنها وتنوء بثقلها، فأخذها الملك لقمان ليحملها عنها، فضمّها إلى صدره...
نشأ الإشكيمو نشأة صبيّ مطواع. درّبته أمّه على الخضوع لكلّ من هو أكبر منه. ودرّبه أبوه على الصمت والإصغاء فلا يتكلم إلاّ بمقدار ليقول نعم وحاضر وإن شاء الله ومعك حقّ وغيرها من العبارات الدالة على الانصياع للأوامر. ولم يجد المعلّمون صعوبة في التعامل معه سوى تدريبه على تعلّم الحساب وقواعد اللغة...
كان الوقت غسقًا و المدينة تستعدّ للغفوة بين حمرة مرتدّة و ظلمة آتية تنبـئُ عن نهاية يوم مرّ بكلّ سوءاته و انتظار بداية يوم آخر قد يكون مختلفا. ضوء سيّارة يملأ الشّارع و عينيها ، تذكر ذلك الضوء و هي تعبر الشّارع و لا تعرف ما الذي حدث . جمهرة من النّاس تحيط بها ، الأصوات تبلغ سمعها و ترتدّ دون...
تشير عقارب الساعة إلى الثانية ظهراً، لم يتبق من كسح الألغام سوى مساحة صغيرة لا تتجاوز مساحتها الكليو متر المربع، وتعد أشد المناطق خطورة، بعد أن تراكمت عليها كميات كبيرة من الرمال، جعلت تطهير الأرض ونزع الألغام أشد خطورة إذا خف ضغط الرمال من عليها. الكل في حالة تأهب وحذر ..وشوق إلى تطهير سيناء...
بعد غياب طويل عن الوطن، استقدم جارنا "وَلدْ سالمْ" العامل في فرنسا أجنبية معه. كنا، نحن الصغار، نترقب ظهورها، نتحين الفرصة علّنا نحظى بنظرة إلى هذا الكائن البشري الذي قدم من وراء البحر وتَكَرّم بوضع أقدامه في حينا المنسي المنعزل. حين نراها، نتسابق اتجاهها وفرح طفولي عارم يتملّكنا. نحيّي...
أعلى