سرد

تبدو الملامح باهتة فلا يكاد يعرف واحد من أهلها، يتمطى الناس فيما بين بابها وبين الزاوية، إنه صباح يوم لايشبهه صباح مضى عليهم من قبل؛ لقد ضرب المحروسة زلزال تراقصت منه البنايات، ثمة أقاويل بأن عفريت من الجن خرج من جوف النهر، تعدو القطط السوداء وراء العصافير، انتبه عم جاب الله لمفتاح الخزانة، ترى...
حينما أويت إلى فراشي بعد نهاية يوم طويل، بدأته من السادسة صباحا، وتنقلت فيه من مهمة إلى أخرى، ما بين عملي الوظيفي، مرورا بأشغال بيتي، وختامه في المساء، بوردي اليومي في كتابة رسالتي العلمية، وضعت رأسي على المخدة، وأنا أرتب تفاصيل يوم الجمعة، سأبدأه بطقوسه التي أحب، سيكون الفطور كعادتي فيه طبق...
فجرا في حي سجن بلا حرس او ابواب , يفضح ضوء الصباح صور الاولياء التي لصقت عليها, وتتجلى عناوين موحدة على ابوابها وجدرانها المتهرئة الملبوخة بالاسمنت, ,كتبت بمختلف الخطوط الرديئة والاصباغ المتنوعة ((الدار للبيع )), غالبا ما تمحى فتعاد ,لكن السكان الاصليين لم يتغيروا, ينتقلون فيه من زقاق لاخر ...
لا أنوي الشكوى. فالشكوى "للّه مش للبشر" كما تقول ميادة حناوي. ولكنني مع ذلك لا أجد بُداً من رفع صوتي عالياً، ومن له آذانٌ للسمع فليسمع. انا طائرٌ من فصيلة اللقالق. في منتصف العمر، أو هكذا يحلو لي أن أصفَ حالي حين أقدم نفسي الى لقلقةٍ بيضاء الريش ناصعته، ذات ساقين حمراوين نحيفتين طويلتين. وانا،...
تنبرج الكلمات على سطح الذّهن، وأستفيق فأجد نفسي ميّتا، أو ميْتًا. لستُ أدري حقيقة الأمر ولكنّني واصلت العيش وكأنّني كذلك. لا أثر لعزاء أو فقدان، ولا أثر لأنّني فعلا ميْتٌ. ولكنّني مازلتُ لم أعِ بعدُ ما يحدث. أنا فقط نظرتُ فوجدت أنّني كذلك، ولم تستطع هذه الفكرة أن تفارقني. كأنّ أرضا ما أطبقتْ...
شاب وسيم، لا يهم هنا أن أصف تلك الملامح التي دعتني أن أصفه بالوسامة؛ فتذوق الجمال يتعدد بتعدد البشر، فما أراه جمالا قد يراه غيري قبحا. تقف على المسرح فتاة لم تتجاوز مرحلة "العشر سنوات" أي مرحلة المراهقة إلى ناصية العقد الثالث، جميلة؛ شعرها أشقر، خمرية اللون، تضع ميك أب يتناسب مع السهرة، ترتدي...
ـ الزعفران الحر.. الزعفران الحر.. جاء الصوت قويا من الخارج. نهضت مسرعا، حتى لا يبتعد، أو يختفي في أحد الأزقة المجاورة. فتحت الباب، وناديت على البائع الذي تجاوز البيت بحوالي عشرة أمتار تقريبا. نحن في شهر يناير. الطقس في هذا الوقت شديد البرودة. كل الجبال المحيطة بقرية (بومالن دادس) مكسوة بالثلوج...
تكلمت بعينيها الزرقاوين، طفطفت رمشوها المعقوفة، عبرت ببلاغة غمازتي تفاحتيها الشديدة النضج، أحدث جمالها ثقبا في أرواحهم، أثارت تلك الجبنة المشربة بالحمرة، كل مسامات الشعور المحصن بالعفاف، توسعت شراهة الرغبات الطيبة والخبثية، التهبت مراجل القلوب المستعرة بالشهوة، تأوهت شفاههم بجمرات التمني...
بدا الإرهاق واضحا على " أبو المكارم " ؛ بيده المرتعشة يتكئ على عصاه لتعينه على المشي . تسكب الشمس ضوءها على وجهه تنفث لهيبا في حين تزحف الترام العجوز على القضبان بعد أن استباح زحام المدينة وقتها فلا هي واقفة ولا هي على قضبانها تسير . تمر من أمامه متهالكة شاحبة فيرى بداخلها بقايا أشباح أنهكها...
لم يكن في الشرفة غير "توبي" جرو صغير، كان نائمًا على الأرض بعدما أرهقته سوسن الصغيرة، ذات الخمس سنوات بكثرة الشد والمد، ظنا منها أنه كدبدوبها تيدي، الذي تحتضنه عندما تخلد الى النوم. وكان توبي مسرفًا في النوم، حتى إن الشمس نثرت أشعتها فوق جسمه، ولم يلقي لها بال، لكن ذبابة مزعجة لا تفقه في الأدب...
هل كان استياء الهذبة ممّا أتاه الإشكيمو حين اعتذر للجماعة عمّا بدر منه علامة دالّة على ما قد يكون بينها وبين الإشكيمو ؟ سؤال سكن في رأس الإشكيمو حين بلغه الأمر، وظلّ يراجع تاريخ علاقته بها فلم يقف على شيء. فالهذبة لا تكاد تمرق من سياج التين الشوكي المحيط بمنزل أبيها من كل ناحية إلاّ قليلا. وإذا...
تغني نجاة "عيون القلب" على شاشة تليفزيون أبيض وأسود، بفستان أبيض نوعا ما أو رمادي. ربما كان ذلك في أواخر الثمانينيات، وبجواري تجلس جدتي، التي لم تتكلم مرة واحدة عن الأغاني والمغنيين، ولا يدخل هذا الكلام في حساباتها، كواحدة من ملايين ضمن أجيال عاشت نهارات وليالي وأعواما طويلة في الغيطان، في...
صبحت هذا اليوم مغبرا بحرارة صيف ملتهب،تقول أمي : الشمس تتغذى على حطب القلوب اليابسة، تأكل ما تتركه النسوة من ركام وشايات يطلقنها كلما اجتمعن عند الفرن للخبيز، الليلة الفائتة تسللت إلى حجرة جدتي الطينية حيث بقايا رماد كان يتلمظ نارا، ولأنها غادرت الدنيا فما عاد أحد يطفيء النار غيري، أوصتني؛ ألا...
الحائط الطيني او السد او الطوفة ليس تراكما من الطين. قبل ان يعبد الشارع ويستبدل القصب والبواري بالطابوق والبلوك , قبل ان تدخل الكيمياويات لتعجل نموالمخضرات وتفقدها نكهتها,لم يكن المذياع الا لغزا والكهرباء حتى حلما ,استدعى ابو ناصر ذلك الشاب المفتول العضلات الرياضي الجسم ليقيم ذلك السد من...
حوارية قال لي: - أنا أعرفك منذ زمن بعيد، بيني وبينك اتصال، تخاطر، رسائلك لم تكتب بالأحرف، ليس لها مفردات، لا تتشكل من الجمل، لكني أعرفك جيدا، رسائلك كلها فيً، في مخزون ذاكرة خاصة، ذاكرة تحاصر الزمان، تحاصر المكان، تقتحم مجهول الأقبية والسراديب والدياجير. قلت: - وأنا أعرفك، ملامحك، كل...
أعلى