جلس الأب على المقعد المقابل للطبيبة النفسية.
كفّاه منطبقتان فوق ركبتيه، ظهره مستقيم، عيناه ثابتتان لا تطرفان.
إلى جواره جلست الأم، متحفظة، تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع.
الطفلة في المنتصف، رأسها منكس، تحدّق في البلاط.
أما الأخت الكبرى فكانت تراقب الوجوه جميعًا، كأنها تفهم أكثر مما ينبغي لعمرها...
كان يظن بأن رأى ـ صديقه ـ سوف يغير وجه الحياة .
كان يظن ذلك حتى وقت قريب ، إلى أن اكتشف بأن القردة وحدها تلتقط أصابع الموز تباعا دون جهد ،
بل ينالون التصفيق ، حين يتقافزون بين الأفرع .
لذلك رمى أكوام القمامة فى الشارع بنظرة بائسة، ومضى ذاهبا إلى صديقه الألمعى الذى نجا من الموت بأعجوبة، إثر...
_ ها قد أقبل يوم ميلاده.. تمتمت.
لما راقها مانيكان ببذلته السوداء، وربطة عنق حمراء..
قلبت الأسعار على ياقات البذل.. انتهى بوعد قطعته على التاجر، قائلة..
_ سأعود.
سارت على طول الممر تبحث عما تهديه إليه
..
...
....
وفي أثناء تجوالها أذهلها بوفيه عرض أشهى الحلويات؛ بلعت ريقها:
_ مولع بالحلوى...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
(( الى كلِّ من جلس يومًا على حافة العالم، ينتظر نفسه))
منذ طفولتي، كان لي ولعٌ بصيد السمك، كأن السنّارة خُلقت لتجاورني. كنت أضعها إلى جانبي حتى في النوم، كأنها وصيّة أبي التي لم أنطقها معه. قالوا إنني نحس، لأنني وُلدت… وفي اليوم التالي مات أبي. كبرتُ وأنا أتعلم كيف أبتلع الكلمة كما تبتلع...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
ما بين الشمس والقمر الاستحالة ،هكذا همستُ لي وفي حلمي رأيت الشمس تغطي القمر بشالها ،بعض المستحيل يهزمه الخيال ...
استيقظ وفي خاطري شيء من أمل ،قد يرن الهاتف المعلق في زواية المطبخ واسمع اسمي من بعد طول انتظار ذلك الاسم الذي نقشته على جذع السنديانه ذات خريف ومن يومها وانا افتقد رائحة المطر...
بات يدير في عقله ألف فكرة، تتزاحم الصور في مخيلته لفتيات يتمايلن أنوثة، عيونهن تضج بسحر وإغراء عجز أن يقاومه؛ ينظر مرة إلى صورة وجهه في المرآة وقد دهمه قطار العمر الذي لا ينتظر أحدا؛ في بلاد تعاند الجمال وترسم بإبرة صدئة وجوها وأقنعة مستعارة؛ ترك الزمن بصمة تجاعيده التي لن تمحى؛ أدلة اتهامه...
ها أنت الآن تسير وحيدًا في مدينة لم تعد تعرف ملامحها. الركام يغطي كل شيء، والمباني التي كانت يومًا شاهدة على الحياة أصبحت الآن شواهد للموت. غزة تنهار تحت القصف، وأنت تبحث عن بقايا من الماضي الذي كان يجمعك بأهلك، بطلابك، وبأحلامك التي دفنت تحت الأنقاض.
كنت في المنزل مع عائلتك عندما بدأ القصف...
من وراء زجاج شرفتها في الطابق الثالث، وقفت سارة تراقب العالم كما لو أنه فيلمٌ بلا صوت، بطله المطر. غير أن المشهد في الأسفل خلخل منطق الأشياء: شابٌّ في عمر الحلم، ممدّدٌ وسط الشارع، غارقٌ في بركةٍ من ماءٍ وطين، كأن القاع الذي هرب منه طويلاً قرّر أخيرًا أن يحتضنه.
لم يكن يرتجف.
وذلك وحده كان...
كنتُ على وشك أن أخبر زوجي كل شيء، وأترك الحقيقة تندفع كما هي، غير أن جملة لنوال السعداوي باغتتني في اللحظة الأخيرة كانت تقول إن الزواج مؤسسة لا تقوم إلا على قدرٍ من الكذب المتبادل بين الطرفين، وإن الصدق المطلق كفيل بهدمها من الأساس، عندها اخترت كذبتي الصغيرة، لا خيانة للحقيقة، بل حماية لبيتي...
يُحكى ـ والله أعلم ـ أنّ قبائل الزوزو، في زمنٍ كانت فيه الشمسُ تُستشار قبل أن تشرق، كانت تُقدِّس المرآة كما يُقدَّس النبعُ الأول.
لم تكن المرآة عندهم سطحًا يعكس الوجوه، بل روحًا صامتة؛ إن نظرتَ فيها رأيتَ ظلَّك لا ملامحك، لأنّ الوجه ـ كما يقول حكماؤهم ـ قد يخون، أمّا الظل فلا يكذب.
وكانت نبوءةٌ...
ظنّت أن الأقدار قد ابتسمت لها أخيرًا، تلك اليتيمة التي بحثت عن "أب" في وجوه الغرباء منذ طفولتها، وقد وجدت أخيرًا ما تبحث عنه حين وقفت على عتبة ذلك البيت الريفي الواسع.
استقبلها صِهرها بذراعين مفتوحتين وضحكة دافئة، قبل جبينها أمام الجميع قائلاً: هذه ابنتي التي لم أنجبها.
في تلك اللحظة، شعرت أن...